مهما جرت رياح الحب رخاء فلن يعدم الحب من الشكوى، لأن الحب تمتزج فيه مشاعر مختلفة من الوله.. والإعجاب.. والغيرة.. والشك.. والعتاب... وتخالطه صروف الزمان بأنواع من الآلام: كالسهر والهجر والوداع والغياب والفراق، حتى ان أصبر المحبين وأقدرهم على كتم آلامه وكظم شكواه لابدَّ أن يفيض به يوماً، والنفس إذا فاضت شكت: شكوت وما الشكوى لمثلي عادةٌ ولكنء تفيض النفس عند امتلائها والحب الصادق أكبر من قدرة العاشق على التحمل والكتمان، ومشاعر الحب الهائلة أكبر من أن تسعها نفس المحب وهو صامت، فهي كالسيل العرم لابدَّ أن يفيض ذات الشمال وذات اليمين، وهذا الفيضان هو الشكوى.. الشكوى من شدة الحب.. ومن قسوة الحبيب.. ومن نار الغيرة.. ومن مرارة الهجر والفراق.. الشكوى من أشياء كثيرة لا يدركها غير العشاق.. @ @ @ ويصور لنا الشاعر (عمارة اليمني) حاله مع حبيبته التي لا يرضيها شيء، لا يرضيها أن يشكو، ولا أن يصبر، لا يعجبها العجب، وهذا من ثقءل الأحباب وادلالهم على من يحبهم وربما غرامهم بتعذيبه ليكبروا عند أنفسهم، والعشق فنون.. وجنون.. وعمارة يقول: "شكوتٌ فقالت: كل هذا تبرُّمٌ بحبي أراح الله قلبك من حُبِّي! فلما كتمتُ الحُبَّ قالت: لشدَّ ما صبرت وما هذا بفعل شجي القلب وأدنو فتقصيني فأبعدُ طالبا رضاها، فتعتدُّ التباعد من ذنبي فشكواي تؤذيها، وصبري يسوءها وتجزع من بعءدي وتنفر من قُرءبي فياقوم هل من حيلة تعرفونها أشيروا بها تستوجبوا الأجر من ربي"! هذا محبوبته محيرة جداً، وكثيرٌ من النساء هكذا، خاصة إذا عرفت أن الرجل شغف بها حباً، فهي تدءنيه وتقءصيه، تُظءمئه وترويه، وهي بهذا تريد الاثارة، وتريد أن يعيش على نار، لكي يزداد حبه لها إلى ما لا نهاية.. فالمرأة تحب حب الرجل لها إلى أبعد الحدود.. وهي دائماً تلقي على نيران هذا الحب مزيداً من الوقود، لكي تظل ملتهبة تدفئها، متوهجة تعجبها بنفسها، فالمرأة - أو أكثرهن على الأقل - تعشق حب رجلها المفضل لها، وتريد استمرار هذا الحب بنفس العنف، وهي موهوبة في تعذيب من يعشقها لكي يظل يلهث وراءها، وهي لا تجعله ييأس تماماً.. فيرتاح ولا يثق تماماً فيهدأ.. بل تجعله متوقداً متولها يتوهج حبه لها في عينيه، وهذا التوهج هو أحلى مرآة ترى نفسها فيها، وتحقق ذاتها من خلالها ولو على حساب عذاب حبيبها والمرأة الجميلة بارعة في جعل عاشقها يهيم بها إلى آخر الحدود.. ولديها وسائل أسلحة رهيبة من دلال.. وابتسام.. وثقءل.. واقبال.. ثم هجر وحرمان.. وكما تستخدم سلاح الابتسامات.. تستخدم سلاح الدموع.. وتستعين على تعميق حبها في قلبه بالرشاقة والأناقة والتلميح والاشارة والنظرة الذَّباحة.. وتتوج ذلك دائماً بالحراير والعطور لكي تتبلور في عينيه كالماسة المتوهجة.. النادرة.. ومما يجعل موهبتها في ذلك تبدع اغترارها بحبه لها وقد صور ذلك أمروء القيس: "أفاطهم مهلا بعض هذا التدلل وإن كنت قد ازمعت هجري فأجملي أغرك مني أن حبك قاتلي وانك مهما تأمري القلب يفعل؟ وما ذرفت عيناك الا لتضربي بسهمك في أعشار قلب مقتل" @ @ @ ويقول الأمير خالد الفيصل في قصيدة رائعة شدا بها محمد عبده: "لا والذي صوَّرك مالاق للعينء غيرك ولا سوى بي احد سواتكء انت الذي حطّيت بالجوف رمحين رمح العيون ورمح وردي شفاتكء وأنت الذي زينتء ياغاية الزينء حياتي اللّي نورها من حياتكء احب فيك الحب ياجامع اثنينء الزين وطبوع تكمل حلاتكء واحب فيك العطف واللطف والزين واحب فيك رضاك عقب زعلاتك واحب هاك الجيد بين الجديلين واحب ما تخفيه طرقة عباتك يا جارح المجروح لا تودع البين يقضي عليّ بغيبتك وسفراتك" @ @ @ ويقول قيس بن الملوح في شكوى من أعماق القلب: "قضى الله بالمعروف منها لغيرنا وبالشوق مني والغرام قضى ليا فيارب إذا صيرت ليلى هي المءنى فزنِّي بعينيها كما زِنءتَها ليا وإلا فبغِّضها إليَّ وأهلها فإني بليلى قد لقيت الدواهيا!" ويعرف العباس بن الاحنف (جهءد البلاء) (وهو أعظم المصائب) فيقول: "إن جهد البلاء حبك إنسا نا هواه بآخر مشعولُ!" @ @ @ وكثير من الشعراء الشعبيين يقرنون شكواهم من الحب والحبيب بنوح الحمامة أو القميري، فهذا ما يهيج الشوق، ويبعث الشكوى من مكامن القلوب.. يقول شاعرنا الكبير محمد بن لعبون بعنوان: "نح يا القميري عليك الطوقء من فوق ملتج بانات(1) اقول له نح بقول الشوقٌ ما اسقيك بالغي كاساتي راعي الهوى ما يذوق الذوق والنوم، ويونّ ونَّات عصر قضيته بطيب وفوق واظن ما فات ما ياتي قضيت بين النّقا(2) والبوقء شهري ودهري وساعاتي مع جادل لا مها معشوقء ما طعت فيها ملاماتي سحّارة العين والمنطوقء والخد ميا أو ما ياتي ومجدلات الغضى من فوقء ردفه، عرابيد حيات من شفت مطرودها ملحوقء واليوم راحت براحاتي والقلب فيها يخفق خفوقء وانحل بالغي حالاتي بالبال لك خادم ما سوقء(3) ناديت يا زاكي الذات يهل يامي دمع الموق فوق الندامه ندامات ما ناح ورق(4) وناض بروق الا استمالت صباباتي عليك لا يا بعد معلوق مطواح لبة حشاشتي لك بالحشى يالغضي صندوقء وبموق عيني مقاماتي"(5) @ هوامش: (1) ملتج: متمايل، بانانات: غصون. (2) النقا: الجهر، البوق: السر. (3) ماسوق: مأسور لك أيتها الحبيبة (خادم مملوك بأمر الحب!!) والقصيدة في محبوبة ابن لعبون الوحيدة (مي). (4) الورق يطلق على الحمام، ناض البرق: سطع. (5) بموق عيني: أي بداخلها وفي سوادها ومقر نظرها ويسمى (البؤبؤ) وفي التعبير الشعبي (صبي العين)!!