مع تقدم الزمن والتطورات المتلاحقة يظل الواقع التاريخي بأدلته المادية شاهدا على أزمنة بعيدة تشكلت فيها مجتمعات تنبض بالحياة استطاعت التعايش مع البيئة والتكيف مع الأحوال باختلافها مطوعين الظروف بمكوناتها لمواجهة التحديات كخيار وحيد للعيش فنتج عن ذلك معالم تنطق بالوجود. وتعتبر محافظة تُرَبَة الواقعة جنوب غرب المملكة والتابعة لمنطقة مكةالمكرمة واحدة من المحافظات التي تحتضن العديد من المواقع الأثرية المتنوعة سواء التي أوجدها السكان القدماء أو المآثر الطبيعية وكلاهما تشكل ركيزة أساسية تؤرخ لفترة زمنية لم تستثنيها صفحات التاريخ من التوثيق لتكون شواهد على عمق مكانة المنطقة. فالمتأمل لطبيعة المكان وما يحتويه من أدلة وشواهد يركز عليه بوصفه بصمة بشرية تقص تفاصيل حياة من رحلوا أجسادا وبقي أثرهم يرسم ملامح لم تتوار خلف مؤثرات الحضارة. ولأن التاريخ مساحة مفتوحة لاستكشاف الماضي وما يحمله من قيمة وثقافة في عدة جوانب فإن المعالم والآثار تعود إلى أزمنة مختلفة ومازالت تشهد على تفاصيل لم يحظ بها الكثيرون. وتُرَبَة بشكل عام لها تاريخ عريق منذ عهد العماليق وأشار بعض الباحثين أنها عرفت في العهد الجاهلي وفي صدر الإسلام كبلدة تحتضن أودية وجبالا عرفت كأعلام وآثار ماثلة اضطلعت بأدوار متعددة منذ زمن بعيد. وقال سكانها ل"الرياض" المحافظة غنية بالآثار والمعالم التاريخية والطبيعية والتراث العمراني التي تقلص الفوارق الزمنية وتعبر إلى التاريخ كمصدر معرفي لسبر إرث وتاريخ موغل في القدم والتعرف على ثقافة الإنسان في الماضي. وأنه من الممكن أن تتحول إلى وجهة سياحية ثقافية إذا حظيت باهتمام هيئة التراث والهيئة السعودية للسياحة لافتين أن عامل الديمومة والاستمرارية يرتهن بتسخير الجهود ومواجهة العوامل المسببة للاندثار أبرزها العوامل الطبيعية التي غيرت ملامح بعض هذه المآثر والمعالم مؤكدين أنها لو وجدت الاهتمام ستمثل عامل جذب للسائح والزائر أو الخبراء الباحثين في مجال التاريخ وتكون ركيزة للتنمية وتعزز الاقتصاد المحلي. وبنظرة موجزة تضم تُرَبَة الكثير من الآثار والتراث العمراني أهمها: * قلعة منيف: التي شهدت المعركة الشهيرة باسم معركة تربة. * قلعة شنقل: وهي من القلاع الأثرية الحصينة وحولها تتناثر المنازل الأثرية. * سوق رمادان: (سوق تربة القديم) وقد سمي بهذا الاسم نتيجة للحريق الهائل الذي شب فيه قديماً وأتى على جميع مساكنه التي كانت مبنيه من سعف النخيل وجريدها وجذوعها ثم بعد ذلك استخدم الطين في عملية البناء. * مدرسة ام زافر وسوق الحيّط: أحد المواقع المسجلة في سجل التراث الوطني والمحمية بموجب نظام الآثار والمتاحف والتراث العمراني. * قصر بن محي: تم بناؤه ومجموعة من القصور عام1200ه/1785م واعتمد في بنائها على المكونات الطبيعية البيئة والمتمثلة في الطين وجذوع وجريد النخيل وارتبط بمعارك خاضها البقوم ضد حملات محمد علي باشا حيث انتهت بانتصار البقوم وطرده من المنطقة ومع مرور الزمن أصيبت أجزاء كبيرة من قصور آل محي بالانهيار نتيجة للعوامل الجوية. * قصر الملكة إلياسة: ذو إطلالة مميزة على هضبة مرتفعة وسط مزارع غنية بالنخيل. * هجرة بن غنام: منسوبة لأحد رجال الملك عبدالعزيز "محمد بن سعد بن غنام" وهي جزء من الماضي التليد لا تنفصل عنه وتقص احداث فريدة ومفاخر قيدها التاريخ إبان توحيد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن - رحمه الله - مناطق الحجاز. * جبال البغيثاء وأبو مراس: تقع في مركز العلبة التابع لمحافظة تربة وتشتهر بالآثار القديمة المبنية من الحجر والتي تدل على قدم استيطانها. * درب الفيل: من المعالم التي ارتبطت بحدث تاريخي ثنائي الزمان والمكان يعود تاريخه إلى القرن الأول قبل الهجرة وهو الطريق الذي عبر من خلاله أبرهة الأشرم بجيشه وفيله متوجها إلى مكة لهدم الكعبة ولم يكن طريق وعر وانما تم رصفه بالحجارة بعناية ولمسافات طويلة لكي تسهل سير الفيل والخيول عبر الحرات والصخور. * غار الحباشي: عبارة عن كهف يبلغ طوله 581 متر يعتبر ثاني أطول كهف في المملكة يتكون من أنفاق في وسط الأرض تشكلت طبيعيا من صخور الحرات وهي نتيجة انسياب الحمم البركانية من باطن الأرض في العصور السابقة. أخيرا: ما سبق مجرد إضاءة على محافظة تاريخها يستدعي الاهتمام لاكتشاف التداخل بين الجغرافيا والتاريخ بتنوعها الذي يعود إلى أزمنة مختلفة مما يجعلها وجهة لا بد من زيارتها. منزل من هجرة بن غنام