أيهما أفضل حلف الثعالب أم منظومة تحالف الكلاب؟ ربما يبدو السؤال جارحاً لأول وهلة ولكن لو تأملت في معناه قليلاً لوجدت أنه وصف طبيعي لصنفين من التحالفات في عالم التناقضات اليوم. ولو دققت قليلاً لوجدت أن معظم الصداقات والأحلاف بين بني البشر تتشابه إلى حد كبير مع ما يجري مع شركائنا في الطبيعة من الحيوانات الأليفة والمتوحشة. ومن قرأ تاريخ الآداب الإنسانيّة يجد توظيفاً مكثفاً لقصص وصفات وحوارات الحيوانات للإشارة الذكيّة إلى سلوك الإنسان وطبيعة تحالفاته. ومن ذلك كتاب ابن المقفع الشهير "كليلة ودمنة" حيث يوظف الكتاب قصص حيوانين من فصيلة ابن آوي مع بقيّة حيوانات الغابة ليغوص في عمق الشر والخير الإنساني أكثر من دلالتها على عالم الحيوان. وكذلك هو حال الروائي البريطاني جورج أوريل في روايته ذائعة الصيت: "مزرعة الحيوان" وتوظيفه لرمزيّة إدارة المزرعة في إشارة رمزيّة لرفض الروائي لحلف بريطانيا (تشرشل) وروسيا (ستالين) عام 1945 اللذين اتفقا (وهما في حالة سكر) على منح ستالين النفوذ على دول أوروبا الشرقيّة كما كشفت فيما بعد الوثيقة السريّة التي عُرفت باسم (naughty document). وهكذا فالدارس للأحلاف العسكريّة عبر التاريخ ربما يجد أنها في معظمها ربما لا تخرج عن وصفين رئيسيين: تحالف الثعالب، أو تحالف الكلاب، وهي وإن اختلفت في مسمياتها إلا أنها في النهاية تعبر عن تحالف مصالح مجردة. وحتى وإن كان تحالف الكلاب ذا مدلول إيجابي لما عرف عن الكلب من وفاء ولكن مسألتي طهارة الكلب أو عواقب توحّشه مثار قلق دائم. وفي تحالف الثعالب مزايا أيضاً وإن كان طبع الثعلب الغدر ولكن مما يميّز الثعلب أيضاً سرعة انكشافه وجبنه عند المواجهة. وفي التاريخ نماذج لمثل هذه التحالفات فحلف الناتو المؤسس سنة 1949 أشبه ما يكون بحلف الثعالب منذ فرضت بريطانيا وأمريكا الحلف على تابعيهما. وفي المقابل نجد شيئاً شبيها بحلف (الكلاب) ممثلاً في حلف وارسو الذي تأسس عام 1955 بزعامة الاتحاد السوفييتي. وهروباً من هذا المصير ربما ظهرت حركة عدم الانحياز سنة 1955 في محاولة يائسة من مؤسسي التحالف لعدم الدخول في دوامة سؤال أي حلف نختار بين الثعالب والكلاب؟ * قال ومضى: عجبي لمن لا يملك الجواب كيف لا يفسح الطريق أمام زحام الأسئلة!