بعد قرون من الصراع ثم الهيمنة الأوروبية على الشرق، وبعد ذلك التجاهل لدوله وحضاراته العريقة؛ تعود أوروبا من جديد للتواصل مع الشرق بعد أن أهملها الغرب؛ وتعود للتحدث مع الشرق حول مواجهة تحديات المستقبل بعد أن تجاوزها أقصى الشرق الآسيوي وتجاهلها الغرب.. كانت تعاني من الصراعات الدينية والعرقية، فتجاوزت ذلك كله لتنتقل من عصر الظلمات إلى عصر النهضة والصناعة والتقدم الاقتصادي والتفوق السياسي. عملت على بناء مجتمعاتها بما أنتجه مفكروها في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية والطبيعية والصناعية، فاستطاعت التغلب على منافسيها في الشرق والغرب. سعت للسيطرة على معظم مناطق وأقاليم العالم عسكرياً وصناعياً واقتصادياً، فكان لها ذلك على مدى قرون. رغبت بعض دولها بإتمام السيطرة الكاملة على جميع الدول المنافسة لها، فانهارت جميعها بسبب التنافس السلبي والتقاتل فيما بينها حتى فقدت الريادة وأصبحت تابعة إما لشرقها الشيوعي أو لغربها الرأسمالي. وبعد تفكك شرقها الشيوعي، ازدادت تبعيتها لغربها الرأسمالي وضعف تأثيرها في السياسة الدولية وتراجع دورها في الاقتصاد الدولي. وفي وقتنا الحاضر تحاول البحث عن ذاتها لتتمكن، على أقل تقدير، من المحافظة على هيبتها ومكانتها وإرضاء كبريائها. هذه هي أوروبا، القارة العتيدة، وهذه هي حالها. فبعد قرون من الصراع ثم الهيمنة الأوروبية على الشرق، وبعد ذلك التجاهل لدوله وحضاراته العريقة؛ تعود أوروبا من جديد للتواصل مع الشرق بعد أن أهملها الغرب؛ وتعود للتحدث مع الشرق حول مواجهة تحديات المستقبل بعد أن تجاوزها أقصى الشرق الآسيوي وتجاهلها الغرب. تعود أوروبا من جديد للتواصل مع الشرق ولكن من موقع البحث عن شريك تستطيع التحدث إليه ومناقشة همومها واهتماماتها. تعود أوروبا مجتمعة للشرق لتعبر، بشكل غير مباشر، عن أسفها على ماضيها الذي ضيعته بعدم تواصلها مع جوارها الجغرافي في الشرق، وبسبب نظرتها الفوقية التي عزلتها عن التواصل مع باقي الحضارات والشعوب. تعود أوروبا مجتمعة إلى الشرق وإلى جوارها الجغرافي القريب عبر بوابة «قمة شرم الشيخ» التي جمعت القادة العرب بالقادة الأوروبيين في فبراير 2019م. وإذا كانت «قمة شرم الشيخ» تشير لرغبة أوروبا الكبيرة في عودتها لجوارها الجغرافي والتاريخي، فإن ما جاء في خطابات ممثليها يعبر عن تطلعات الدول الأوروبية لإحداث تقارب كبير مع الدول العربية في جميع المجالات. ففي خطاباتهم التي نقلتها «واس» في 24 فبراير 2019م، قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك: «إن التقارب بين الدول العربية والأوروبية يتطلب من الجميع أن يواجهوا التحديات المشتركة وأن يغتنموا الفرص الحقيقية، داعيًا إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار الاهتمام المشترك بين الجانبين؛ وذلك لتوفير الظروف المواتية للاستقرار طويل الأجل؛ لضمان الرخاء الذي تستحقه شعوب البلدان الأوروبية والعربية، خاصة أن هناك العديد من المجالات التي يمكن من خلالها تفعيل هذا التعاون». كذلك قال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود بونكر: «إن الاتحاد الأوروبي يعمل ليكون شريكًا مع العالم العربي، وشريكًا في الدفاع عن حقوقه. ودعا إلى بذل الكثير من الجهود لتنمية التجارة والاستثمارات بين العالم العربي والأوروبي لتحقيق المزيد من فرص العمل ومزيد من النمو للجميع». إنها لغة جديدة وحديثة وغير معهودة تلك التي تحدث بها ممثلو أوروبا. إنها لغة تعبر عن تطلعات ورغبات بعودة أوروبية قوية وسريعة إلى المنطقة العربية، إنها أمنيات أوروبية تأخذ من الحاضر لغته ومن التاريخ تجاربه. ولكن إن كانوا يعتقدون أن هذه الخطابات بلغتها الناعمة ستؤثر كما كان في الماضي بالعقل العربي، فإن ذلك حتماً اعتقاد خاطئ. فالزمن قد تغير والمعايير اختلفت. فأوروبا الحاضر ليست كما كانت في القرون الماضية؛ والعالم العربي في الحاضر ليس كما كان في القرون والعقود الماضية. فإن كانت أوروبا تتطلع وترغب بالعودة إلى العالم العربي، فلهذه العودة أسس يجب أن تحترم كما جاءت بها المواثيق والمعاهدات الدولية. وهذا ما نص عليه خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - رئيس القمة العربية العادية التاسعة والعشرين. فمما جاء بالكلمة التي نقلتها «واس» في 24 فبراير 2019م، قال - حفظه الله -: «إن العلاقات بين الدول لا يمكن أن تستقيم دون احترام كامل لسيادتها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وإن الميل عن هذه المبادئ الراسخة في العلاقات الدولية من شأنه أن يؤثر على تحقيق التعايش والتعاون المشترك الذي تصبو إليه شعوب العالم. وإن ما يعزز اهتمامنا بهذه القمة هي رغبة الجانبين في تعزيز علاقاتنا على مختلف الأصعدة وفق هذه المبادئ. وإن من مسؤوليتنا جميعاً - تجاه شعوبنا وأجيالنا القادمة - أن نعمل على بناء شراكة حقيقية بين الدول العربية والدول الأوروبية تستلهم من تجارب الماضي خططاً للحاضر، ومن تحديات الحاضر فرصاً للمستقبل». وفي الختام من الأهمية التأكيد على أن سياسة المملكة العربية السعودية القائمة على البناء المتواصل والاحترام المتبادل والانفتاح على العالم واحترام حضاراته وبناء شراكات متوازنة تخدم المصالح المشتركة أدت إلى أن تعددت علاقاتها الدولية وتشعبت تفاهماتها السياسية وتعمقت شراكاتها الاستراتيجية وتنوعت ارتباطاتها الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية حتى تجاوزت الدول الأوروبية لمن سبقوها في تلك المجالات. إنها دروس التاريخ التي يجب أن يتعلم منها الأوروبيون ليتمكنوا من إيجاد ذواتهم وبناء مستقبلهم على أسس إنسانية وحضارية صحيحة.