قال المنصور بن أبي عامر يوماً لأبي يوسف الرمادي: كيف ترى حالك معي؟ فقال: فوق قدري ودون قدرك. فأطرق المنصور كالغضبان، فانسل الرمادي، وخرج وقد ندم على ما بدر منه، وجعل يقول: أخطأت، لا والله ما يفلح مع الملوك من يعاملهم بالحق! ما كان ضرني لو قلت له: إني بلغت السماء، وتمنطقت بالجوزاء! وأنشد: متى يأت هذا الموت لا يُلف حاجة لنفسي إلا قد قضيت قضاءها ولما خرج كان في المجلس من يحسده على مكانه من المنصور، فوجد فرصة فقال: وصل الله لمولانا الظفر والسعد، إن هذا الصنف صنف زور وهذيان، لا يشكرون نعمة، ولا يرعون إلا. ولا ذمة؛ كلابُ من غلب، وأصحاب من أخصب، وأعداء من أجدب؛ وحسبك منهم أن الله جلَّ جلاله يقول فيهم {والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون}. والابتعاد عنهم أولى من الاقتراب؛ وقد قيل فيهم: ما ظنك بقوم الصدق يُستحسن إلا منهم! فرفع المنصور رأسه - وكان محامي أهل الأدب والشعر - قد اسود وجهه، وظهر فيه الغضب المفرط؛ ثم قال: ما بال أقوام يُشيرون في شيء لم يُستشاروا فيه؛ ويسيئون الأدب بالحكم فيما لا يدرون: أيُرضى أم يُسخط! وأنت - أيها المنبعث للشر دون أن قد علمنا غرضك في أهل الأدب والشعر عامة، وحسدك لهم، لأن الناس كما قال القائل: من رأى الناسُ له فض لاً عليهمْ حَسدُوهُ وعرفنا غرضك في هذا الرجل خاصة، ولسنا - إن شاء الله - نبلغ أحداً غرضه في أحد؛ وإنك ضربت في حديد بارد، وأخطأت وجه الصواب؛ فزدت بذلك احتقاراً وصغاراً، وإني ما أطرقت من كلام الرمادي إنكاراً عليه؛ بل رأيت كلاماً يحلُّ عن الأقدار الجليلة، وتعجبتُ من تهدِّيه له بسرعة؛ والله لو حكمته في بيوت الأموال لرأيت أنها لا ترجح ما تكلم به قدر ذرة، وإياكم أن يعود أحد منكم إلى الكلام في شخص قبل أن يؤخذ معه فيه ولا تحكموا علينا في أوليائنا ولو تأديباً وانكاراً؛ فإنا من نريد إبعاده لم نُظهر له التغير، بل ننبذه مرة واحدة؛ والتغير إنما يكون لمن يُراد استبقاؤه. ولو كنت مائل السمع لكل أحد منكم في صاحبه لتفرقتم أيدي سبا، وجُونبت أنا مجانبة الأجرب، وإني قد أطلعتكم على ما في ضميري، فلا تعدلوا عن مرضاتي. ثم أمر أن يُرد الرمادي، وقال له: أعد عليّ كلامك، فارتاع. فقال: الأمر على خلاف ما قدَّرت، الثوابُ أولى بكلامك من العقاب، فسكن لتأنيسه، وأعاد ما تكلم به، فقال المنصور: بلغنا أن النعمان بن المنذر حشا فم النابغة بالدُّر لكلام استملحه منه، وقد أمرنا لك بما لا يقصُرُ عن ذلك وبما هو أنوه وأحسن عائدة. وكتب له بمال وخلع وموضع يعيش منه؛ ثم رد رأسه إلى المتكلم في شأن الرمادي - وقد كاد يغوص في الأرض لشدة ما حل به مما رأى وسمع - وقال: والعجب من قوم يقولون: الابتعاد من الشعراء أولى من الاقتراب، نعم، ذلك لمن ليس له مفاخر يريد تخليدها، ولا أياد يرغب في نشرها، فأين الذين قيل فيهم: على مُكثريهم رزق من يعتريهم وعند المقلين السماحةُ والبذلُ وأين الذي قيل فيه: إنما الدنيا أبودُلف بين مبداه ومحتضره فإذا ولّى أبو دلف ولت الدنيا على أثره أما كان في الجاهلية والإسلام أكرم من قيل فيه هذا القول؟ بلى، ولكن صُحبة الشعراء والإحسان إليهم أحيت غابر ذكرهم، وخصتهم بمفاخر عصرهم، وغيرُهم لم تُخلد المدائح مآثرهم، فدثر ذكرهم، ودرس فخرهم.