في ضاحية من ضواحي بيروت الجميلة زرت مدرسة للرعاية النهارية الخاصة بالمعاقين ؛ والتي كانت تستقبل مجموعة من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يعانون من إعاقات فكرية أو جسدية مختلفة ؛ وعلى الرغم من الموارد الضعيفة التي تصل إلى المدرسة من المتبرعين والمهتمين إلا أنها تقوم على أسس مهنية وإنسانية عالية الجودة . وفي سياق زيارتي تبادلت الحديث مع مديرة المدرسة بالإضافة إلى مجموعة من المعلمات والمربيات والقائمات على رعاية هؤلاء الأطفال ؛ وقد كان محور الحديث يدور حول شقين مهمين مكملان لبعضهما البعض أولهما هو كيفية تأهيل المعاق وتعديل سلوكه واستثمار إمكانياته على الوجه الصحيح ؛ وثانيهما كيفيه تهيئة البيئة الأسرية للتعامل مع هذا المعاق وفقا للنظريات العلمية الحديثة والتي تضمن استمرار التقدم النفسي والجسدي والمهني الذي يحرزه الطفل في المدرسة ثم كيفية انتقاله للمجتمع والعالم الخارجي من حوله . ولما كان للوالدين من دور هام في عملية التعليم والتأهيل ؛ لزم عليهما الوقوف على حالة الطفل النفسية والجسدية وتقبلها ومساعدته على التعايش معها قدر المستطاع ؛ مع الابتعاد عن النبذ والإهمال والتهكم والسخرية , فالطفل المعاق شديد الحساسية للمواقف والأشخاص وقد تنقلب تلك الحساسية إلى عدوان شديد بدني ولفظي نحو الذات أو نحو الآخرين وذلك بسبب ما يتعرض له من ضغوط في البيئة المحيطة . إن ما جعلني أسترجع ذكريات زيارتي لهذه المدرسة ومدى اهتمامها بدور الوالدين تجاه طفلهما هي قصة لطفلة معاقة تبلغ من العمر سبع سنوات وقد جمعت في إعاقتها المركبة ما بين الجسدي والفكري؛ هذا وقد طلق أبها أمها نتيجة لخلافات دائمة ومستمرة منذ السنين الأولى من زواجهما ؛ وللأسف الشديد ألقى الأب اللوم والسببية على الأم في ولادة هذه الطفلة ونتيجة لذلك هجر ابنته وتركها لأمها التي تعول نفسها وطفلتها بعد أن التحقت بالعمل الخاص بالمعلومات البديلات وفقا لبند الأجور الخاص بمحو الأمية . ونتيجة لإيمان الأم بدورها تجاه طفلتها عملت على الحصول على الدعم المخصص من الدولة لهذه الطفلة , وقامت برعايتها بصورة شخصية منزليه فهي لا تملك من المال ما يمكنها من إلحاق طفلتها بدار للرعاية النهارية الخاصة علما بأن مدينة مكة لا توجد فيها روضة حكومية مختصة لذوي الاحتياجات الخاصة , وبعد أن علم الوالد بموضوع ما يصرف للطفلة من معونة قدم شكوى في المحكمة يطالب فيها بحضانة ابنته لأنه يجد نفسه الأحق بتلك المعونة فهو لا يعمل وليس لديه دخل ؛ كما أدعى أن أم الطفلة لا تسمح له بزيارة ابنته لذلك طلب زيارتها في (الشرطة ) وفقا لمدة الزيارة الشرعية المسموح له بها . ولم يكترث هذا الأب يوما لما يمكن أن يلحقه من ضرر نتيجة ما يفعله بهذه الطفلة العاجزة عن الحركة , والأدهى والأمر هو أن يجد طلبه هذا موطن الاستجابة من القائمين على الحكم في هذا الأمر ؛ فأي بيئة تلك التي ينشأ فيها الحب والرعاية والاهتمام وهي محاطة بجو من الرعب والخوف والرهبة وعدم الألفة والأمان ؛ وإن افترضنا صدق نيته في الاقتراب من ابنته وتلمس حاجاتها فليست ( الشرطة ) هي المكان المناسب لتوطين العلاقة الإنسانية السليمة ولتقديم الرعاية الأبوية المثمرة . لذا هي دعوة صادقة من هذا المنبر للنظر بعين الرحمة والتعاطف لهذه الشريحة من المجتمع فالأطفال ( الطبيعيين أو المعاقين ) هم جيل المستقبل وأمله القادم لذا ينبغي أن تتضافر من أجلهم الجهود وتتآزر من قبل جميع الجهات المعنية والمهتمة بالتعليم والتأهيل أو بالأحوال الشخصية والاجتماعية ؛ وذلك حتى نضمن صحتهم النفسية والجسدية ثم نصعد بهم وبأمتنا ومجتمعنا نحو مستقبل مشرق وواعد .