هاهي مكة كعادتها كل عام تزدحم بالحجاج ؛ فنجد العرب والعجم يملأون الطرقات ؛ ونجد لوحات الحملات قد كست الشوارع والأحياء ؛ ونجد العاملين والمرشدين والباعة المتجولين في كل شبرٍ فيها ؛ فسبحان من جعل مكة ملتقى هذه الأنفاس من شتى بقاع الأرض وعلى مختلف الأشكال والألوان والأجناس . الحج الركن الخامس من أركان الإسلام هو في حقيقته مظهر حضاري عالمي لا يتكرر ؛ فبرغم أن مكة مقصد الأرواح ومأوى الأفئدة طوال شهور العام ؛ إلا أن البهاء الذي يكسوها بذي الحجة هو بهاء العروس المتأهبة في ليالي زفافها؛ وفي يوم النحر تكون مكة قد ازدانت بجمال لا يفوقه جمال؛ فأي عروس تلك التي تفرح بها القلوب وتهنئها النفوس من كل فج عميق . إن القيمة النفسية الدينية لهذا المظهر الحضاري هي قيمة إنسانية ربانية من الطراز الأول؛ فاستجابة الفرد لنداء ربه وقيامه بهذه الشعائر السمحة ما هي إلا إيمان منه بضرورة الرجوع إلى الأصل والمنشأ ؛ فقد تكون الحياة بمشاغلها وأعمالها وصفقاتها قد أنهكت جسده وأرقت فكره وأشغلت قلبه . والحج بمناسكه فريضة بدورها تبعث في النفس أهمية خاصة لقيم عديدة يأتي على رأسها الصبر والجهاد والكفاح ثم العمل والأمل والجزاء. كما لا تخلو تلك المناسك من منافع وفوائد جمة ومختلفة ؛ بل إن هذه المنافع والفوائد معلومة ومشهودة على مر الأزمان؛ وهي ذات مقاصد وأبعاد شخصية واجتماعية ؛ وأخلاقية وتربوية ؛ وسياسية واقتصادية . إن أبرز ما يتجلى في هذا المظهر الحضاري هو توحيد صفوف المسلمين ؛ وجمع كلمتهم ؛ وتحقيق المساواة فيما بينهم ؛ وحثهم على التفاعل المثمر البناء ؛ وتجديد العهود مع الله في الالتزام بأوامره ونواهيه ؛ ودفعهم للتضامن والتكاتف فيما يخدم الإسلام والمسلمين ويحفظ لهم عزهم ورقيهم ومجدهم وسيادتهم . ولا يستطيع كائن من كان أن ينكر أن الحج بمثابة مؤتمر سنوي عالمي ؛ بتوقيت وميقات زماني مكاني رباني مقدس ؛ لا يُستحدث ولا يُلغى ؛ ولا يكافئ تجمعاته البشرية مثيل في شتى أنحاء المعمورة ؛ فلا لغة تعجز أمام موضوعه ولا دين يتجرأ على نكرانه ولا قوة تحول دون حدوثه . وعند النظر لتلك التجمعات البشرية فإن لسان حالهم يقول ما يقوله رب العزة والجلال في كتابه الكريم : (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ) المؤمنون:52 فهي تجمعات تثير في النفس عبق الماضي وشجون الحاضر وتأملات المستقبل وتقلبات الحياة , وتجعلنا نقف على أحداث سنة مضت من العمر ولا ندري إن كان الله سيعيدنا لنقف مثل هذا الموقف في العام المقبل أم لا . لذا ينبغي أن تكون النية الخالصة هي الميثاق , وهي موطن تجديد العهود مع رب العباد على أن يكون المقبل حاملا للأمة الإسلامية المزيد من النمو والرقي والازدهار ؛ ومحققا لها السلامة والسلام والأمن والأمان بإذن الكريم المنان . تقبل الله أعمالكم وحجكم أحبتي ؛ وألبسكم لباس العز والكرامة ؛ وحقق لكم مرادكم في هذه الأيام الفضيلة وكل عام وانتم إلى الله أقرب .