عندما دخلت المكان المظلم نظرت في عيون بعض منهم إلى أن وقفت عيني على ذلك الرجل الذي عندما رأيته من أول مرة في حياتي كأنني أعرفه منذ زمن بعيد. ذلك الرجل هو ابن البلد الآخر، كان كبيراً في العمر إلا أنني لم أحسب له حساباً إلى أن بدل مشاعر قلبي لتتوجه نحوه مباشرة، عندما جلست شعرت بحزن عميق وذقت طعم العذاب إلا أنه لم يتركني لحظة واحدة، وفجأة قام من مكانه ليتوجه نحوي.. في البداية خفت، إلا أنه مسح ذلك الخوف ليتحول إلى حب. كان يقاسمني الأكل والشرب وحتى النوم، كان لي الأب والأخ، كان إنساناً، ولكن الأقدار أجبرته على فعل شيء لم يكن تحت سيطرته إلى أن جاء إلى مدينة الرياض من أقصى الدنيا ليؤمن لأولاده وبيته ما لم يكن قادراً عليه في أرضه.. شخص غريب لكنه قريب. عرفته بمعنى الكلمة.. كان حنانه وعطفه دليلاً على طيبة قلبه، حنان يكفي الكون كله جعلني أناديه بكلمة أبي، كانت الأيام تمر علينا كل يوم كأنه سنة.. مكان غريب جمعني بأحسن إنسان عرفته منذ ولادتي، كان لا يشرب إلى أن أشرب أولاً، ولا يأكل إلا أن يعرف بأنني اكتفيت من الأكل، عوضته بطاعة الابن لأبيه، وعوضني هو بحنان الأب الذي حرمت منه منذ أشهر قليلة. كان كل أمل باقٍ معه هو بأن يسمع صوت أولاده وزوجتيه، ومرت الأيام، وهو كل يوم يذرف ملايين الدموع.. كنا نواسي بعضنا في ذلك المكان، ويخبرني عن طفولته.. كانت مشوقة جداً، وكان صريحاً بكل كلمة خرجت من فمه، ويضحك وكثيراً ما يبكي، إلا أنه مرت عليه أيام صعبة جداً، لكنه دائماً كان قوياً في صبره إلى أن جاء إلى ذلك المكان الذي أعمى عيونه من النور. كنت أخرج من ظلمة إلى ظلمة وهو بين أربعة جدران لا يدري ماذا يفعل أو ماذا يقول.. إلا أنه كان يتحرق شوقاً إلى أن أتى من الظلمة التي كنت بها في نفس المكان الآخر ليسألني كيف صارت الأمور معي، ومرت الأيام إلى أن جاء ذلك اليوم الذي رأيت فيه النور من جديد وعرفت معنى الحرية. وودعت كل شخص كان معنا إلا هو، كان وداعه بالنسبة إليَّ شيئاً صعباً جداً جعلته غارقاً بالنوم، وغادرت إلى النور والحرية ولو كان الأمر بيدي لأخذته معي إلى حيث ذهبت، وعهده على نفس بأنني سوف أراه كل يوم، إلا أن هناك أناساً وضعوا حاجزاً بيني وبينه، وأبعدوا المسافة بيننا، وهناك شخص كان معنا في ذلك المكان المظلم خرج منه وأخبرني بأنه عندما استيقظ من نومه ولم يجدني ذرف دموعاً ليست دموع فرح لي بأنني خرجت إلى النور، وإنما كانت دموع قهر بأنه فارق شخصاً كان يعده ابناً له منذ أيام قليلة وبعدها حزنت حزناً لم أحزن مثله في وفاة أبي ووعدت نفسي بأني سوف أزوره إذا خرج من ذلك المكان المظلم وأنني أدعو الله ليلاً ونهاراً ليخرجه من ضيق المكان.. شاءت الأقدار أم أبت لأنني مؤمن بالله الذي لن يرد عبدالله. كانت هذه قصتي مع ابن البلد الآخر. أبو سعود مرعي محمد عيسى الشبلي