نسي الإنسان ماذا كان، من أين أتى وإلى أين هو صائر؟ هذا هو الإنسان الجشع. بيده قلم وعيناه على أقلام الآخرين. امتلك سهماً وعيناه على أسهم الآخرين. على مائدته أرغفة وفمه يشده لأرغفة الآخرين. دياره واسعة عامرة وقدماه تقودانه إلى ديار الآخرين. أي إنسان ذاك؟ بحوزته كل ما ترغب فيه النفس والجسد، ويداه تمتدان بنهم لا يوصف ولا يُضاهى إلى ما عند الآخرين. ما هذا الجشع؟ ما هذا الطمع؟ تُرى كيف نرتد ونحصل على صحوة ضمير استثنائية في زمن سبات الضمائر العميق؟ كان هذا هو السؤال الذي ألحّ عليْ. ورحت كمحقق عدلي لا دولي، يستنطق حول حادثة سرقة أو حادثة حب أو احتيال. رحت أستنطق من حولي وأدوّن ملاحظاتي لأنني لم أعد ألاحظ، نعم لا ألاحظ لقلة ذكائي وحيلتي، فكيف ألاحظ والعقل والقلب مشغولان بالجشع والطمع؟ لكنني رحت ألاحظ وأُدوّن، فالذاكرة تعبت من كثرة الأحداث المتتابعة، وقد أًصيبت بالتخمة هي الاخرى، ولم تعد تتسع لأي جديد. وهكذا ابتدأت بالفعل أُدوّن الملاحظات، ولم أعد أمرُّ بالأشياء والظواهر والأحداث مرور الكرام. بل صرت أتوقف وأتأمّل وأُكثِر من الأسئلة والأمثلة، حتى اعثر على دواء لمعالجة داء الجشع الذي أصابني. فوجدت أنّ أفضل طريقة للمعالجة هي أن أنسى كل ما تعلّمته من هذه المجتمعات المنافقة النافقة المُنفقة الاستهلاكية، وأترك نفسي على سجيتها ولو لزمن بسيط، على عفويتها وتلقائيتها وبساطتها. وهكذا بدوت لمن حولي مشاغبة مشاكسة، وراح من حولي يتساءلون همساً أو باستغراب شديد عن سبب عدم اتزاني. ولكنني لم أهتم. كان عليّ أن أُعالج الجشع الذي امتلكني. وبعفوية مطلقة انطلقت للحياة إلى نفسي وليس إلى الآخر. فقد كرهت كلمة الآخر، لكثرة تداولها في الأسواق العربية، حتى لو كانت سهماً لضرب نسبة على أيام متتالية. ولكنني أتكلم عن عفويتي تجاه الآخرين كلهم من دون استثناء. واكتشفت أنّ العفوية تعني تبسيط الأمور، فيهون فهم الحياة بكل تعقيداتها. والعفوية تعني الصفاء والنقاء لا الضياع والفراغ. والعفوية تعني الصدق والصراحة، لا المكر والخداع. واكتشفت أيضاً أنّ الإنسان بعفويته لا يمكن له بأي شكل أو صورة أن يكره «الآخر»، أو يتعصّب أو يحقد أو يحيك الدسائس والمكائد أو يحسد أو يغار. وتضمن العفوية علاقات سهلة إنما متينة، لأن العفوية تعلمك الصدق. واكتشفت في ما اكتشفت أنّ العفوية لا تُثمِر إلا إنسانية ومحبة وعطاء لا ينضب فيزول الجشع من قلبه. والعفوية تجعلك تفرح وتقنع بأي شيء، لأنها تغنيك من الداخل، فتستغني عن القشور والبثور. نعم، نعم هذا ما تفعله العفوية، لأنها البساطة التي تمنحك صك امتلاك القلوب، ولا تُفضي إلى امتلاك الاشياء التي بدورها تفتك بنا أفراداً وجماعات، وتنسينا أنفسنا ماذا كنا؟ من أين أتينا وإلى أين نحن صائرون! خلف الزاوية طلبت منك لقاء ملء أوقاتي بحثاً عن الحب ساعات وساعات ما كنت أعرف أنّ الحبّ يا عمري يرمي إلينا بثوانيه القليلات [email protected]