كل الشاشات المصرية تبحث الآن عن تكييف أوضاعها مع المشاهد في مرحلة انقسام حاد بين «الكتلة» و«الجماعة»، ما يضع الإعلام المرئي في حالة صراع بينه وبين نفسه أولاً، قبل أن يظهر هذا الصراع للملأ أمام ملايين المشاهدين. فمثلاً، بدأت منذ الاثنين الماضي دعوات الاحتشاد التي قادتها حركة «تمرد» والتيارات المدنية في مصر وشقّت طريقها الى الناس عبر مؤتمرات صحافية عرضت تلفزيونياً، وعبر بعض البرامج التي ما زالت موجودة على خريطة رمضان والمخصصة «للشأن السياسي» أو تلك التي أضيفت، مثلما حدث مع قناة «دريم+» التي خصصت للبرامج السياسية بعدما احتلت مسلسلات رمضان قناتيها. على الجانب الآخر، ما زالت قناة «الجزيرة مباشر مصر» تحط رحالها في ميدان «رابعة» حيث يجتمع «الإخوان» ومؤيدوهم لرفض كل ما حدث ويحدث من بقية المصريين... ويزيد الأمر صعوبة، بالنسبة الى الإعلاميين العاملين في القنوات الأكثر انتشاراً، أنهم فقدوا الجزء الأكبر من مساحاتهم بسبب خريطة رمضان والمسلسلات المكتسحة للمشهد التلفزيوني الآن، وأن عليهم النفاذ الى الناس من المساحات الباقية المتاحة باستثناء شبكة واحدة لا تتعاطى المسلسلات أو الأفلام بتاتاً هي شبكة «أون» بقناتيها والتي تراهن على الأخبار والأحداث منذ البداية. ولأن الأحداث طازجة تفاجئ الجميع (وأولهم الإعلام غير المتآمر بالطبع)، ولأن المسلسلات معلبة لكن زحزحتها مستحيلة بسبب الارتباطات والعقود والإعلانات الخ... تفتق ذهن شبكة «النهار» عن اقتناص ساعة يومياً من بين جدول المسلسلات لتتيح لمقدميها تلخيص الأحداث واستبقاء المشاهد السياسي بدلاً من خروجه نهائياً من دائرة الاتصال. وعلى رغم هذا الحراك الضئيل والذي وصل الى درجة تقديم حصاد اليوم الإخباري على شاشة «أم بي سي مصر» الساعة الرابعة فجراً، ما زال الإعلام في مصر في ازمة رمضان التي يواجهها للمرة الأولى منذ انطلاق البث الفضائي، وانطلاق القنوات الخاصة المصرية، مع احتدام الأحداث في الشارع وعجز التغطية بسبب احتلال المسلسلات المساحات الأكبر... وما يزيد الأزمة توهجاً هو النشاط المكثف للقنوات الدولية في تغطياتها لما يحدث في مصر، وهو ما نراه بوضوح من خلال شاشات «بي بي سي» و«العربية» و«الحرة» و«روسيا اليوم» و«فرنسا 24» و«أيضاً مداخلات برامجها التي تقدم زخماً غير موجود على الشاشات المصرية، ما يعرضها لاتهامات من المؤيدين والمعارضين على السواء، ويشعرها بالتقصير. ومهما برر الإعلاميون تقاعسهم في هذه الأوقات الصعبة، في يد المشاهد زمام القيادة والانتقال الى قنوات أخرى أو إعلام آخر... وربما منظومة جديدة.