«أقرأ. كأنّ القراءة مرض. أقرأ كلّ ما يقع تحت يدي. أمام نظري. جرائد، كتب مدرسية، ملصقات، كتب أطفال. كلّ ما هو مطبوع. عمري أربع سنوات، والحرب بدأت للتوّ». بهذه الكلمات الآسرة تبدأ مسرحية «الأمّية» ( خشبة مسرح «لي ديشارجور» - باريس)، وهي من إخراج المسرحي اللبناني الفرنسي نبيل الأظن ومن بطولة الممثلة الفرنسية كاترين سالفيا التي تروي طوال نحو ساعة، وبمفردها على خشبة المسرح، سيرة ذاتية لامرأة تعشق القراءة والكتابة، وتكشف عن الطريق الذي شقّته حتى تصبح كاتبة معروفة عالمياً. تعتمد المسرحية على نص كتاب بعنوان «الأمّية» للروائية والكاتبة المسرحية المجرية الراحلة أغوتا كريستوف التي كتبت مؤلفاتها باللغة الفرنسية. وهي من مواليد المجر عام 1935. بعد الاحتلال السوفياتي لبلدها، عام 1956، اختارت اللجوء إلى سويسرا حيث أقامت حتى وفاتها عام 2011. لمعَ اسمها بعدما صدرت رواية لها بعنوان «الدفتر الكبير» عن دار «سوي» الباريسية. كان ذلك عام 1986 وقد حققت نجاحاً كبيراً إذ تُرجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة، وتحوّلت فيلماً سينمائياً عام 2013، من إخراج المخرج السينمائي المجري جانوس ساز. يتميّز نصّ «الأميّة» بنفسه الشعري وبارتكازه إلى عبارات صغيرة مقتضبة. تخبرنا الكاتبة على لسان الممثلة كاترين سالفيا (من «الكوميديا الفرنسية») عن قريتها المجرية حيث كان والدها مدرساً، وعن طفولتها البائسة. كانت في الرابعة من عمرها عند اندلاع الحرب العالمية الثانية وعانت الجوع والبرد، لكنّ حبّها للقراءة كان ملاذها الوحيد الذي يساعدها على الهروب من قساوة الواقع اليومي. بعد لجوئها إلى سويسرا مع زوجها وطفلتها بسبب مناهضتها للنظام السوفياتي، عملت في مصنع للساعات، وهناك اكتشفت لغة جديدة كانت تجهلها تماماً هي الفرنسية فتعلّمتها في المدرسة التي كانت تقصدها كل يوم بعد انتهائها من دوام العمل. وهكذا اعتمدت على اللغة الفرنسية لكتابة نصوصها الأدبية مع اعترافها بالصعوبات الكثيرة التي واجهتها وبالأخطاء التي ظلّت ترتكبها حتى وفاتها، وباستعانتها الدائمة بالقواميس، حتى أنها سمّت اللغة الفرنسية «اللغة العدوّة». وهي عدوّة، وفق تعبيرها، لأنها ساهمت في قتل لغتها الأم. مسرحية «الأمية» إذاً تتمحور حول الهويّة والهجرة والحرب وحول الاحتكاك بلغات أخرى في بلد الاغتراب، وهي من الأسباب التي دفعت المخرج نبيل الأظن إلى اختيار هذا النص لأنه يطرح قضايا إنسانية تطاولنا أيضاً كمهاجرين عرب قادمين من الضفة الأخرى للمتوسط. والمتتبّع لسيرة المخرج يدرك الدور المهمّ الذي تلعبه النصوص الأدبية في أعماله المسرحية سواء التي يقدمها بالفرنسية أو بالعربية، في لبنان وبعض الدول العربية وفي فرنسا. وهذا ليس غريباً طالما أنه كتب هو نفسه الشعر وعمل على ترجمة كتب إلى الفرنسية. ما يميّز العمل الجديد هو اعتماده في شكل أساسي على أداء الممثلة القديرة كاترين سالفيا التي اشتهرت منذ مطلع السبعينات بأدوارها على خشبة «الكوميدي الفرنسية»، أعرق مسارح باريس، وشاركت في أداء مسرحيات كلاسيكية فرنسية، ومنها أعمال لموليير وراسين وألفريد دو موسيه... وقد نجحت في مسرحية «الأميّة» في تجسيد معاناة الكاتبة أغوتا كريستوف وتمزّقها بين لغتها الأم واللغة الفرنسية مبيّنة المراحل التي قطعتها منذ سن الطفولة في هنغاريا حتى تحقيقها النجاح ككاتبة في سويسرا، مع كل ما رافقها من معاناة بسبب الفقر والأنظمة التوتاليتارية التي هيمنت على أوروبا الشرقية. نجح نبيل الأظن في جعل الممثلة على صلة مباشرة مع الجمهور منذ اللحظة الأولى حتى إسدال الستارة. وهذا ما ساعد الحضور على التفاعل معها ومع تحوّلاتها النفسية التي تأتي على خلفية مشاهد متحرّكة وأشرطة فيديو أعدّها الفنان اللبناني علي شرّي. عند نهاية العرض، نسمع الممثلة كاترين سالفيا تبوح بعبارات كاتبة النص التي اعتبرت نفسها امرأة أمّية عند هجرتها إلى سويسرا، لأنها كانت تجهل اللغة الفرنسية، ولأنّ تعلّم هذه اللغة رافقته آلام كثيرة ما دامت لم تأتِ من باب الاختيار، بل فرضت فرضاً عليها بسبب المنفى... لكنّها الأمّية التي تعلّمت وتركت في لغة غير لغتها الأم نتاجاً يُعَدّ بين أبرز النتاجات الأدبيّة المعاصرة.