«يا تموت وأنت جيكا، يا تعيش وأنت حمادة». خيارات الحياة والموت في مصر الجديدة صارت متعددة وباتت متنوعة، لكن جميعها يندرج تحت بندين رئيسيين: موت مشرف يرفع ذكرى صاحبه أو حياة مذلة تنكس رأس من يحياها. ورغم سخريتها وقصرها ورمزيتها، فإن المقولة تلخص حال الراحة الأبدية و «العيشة واللي عايشينها» في مصر بعد عامين من ثورة العيش والحرية والعدالة الاجتماعية. العدالة الاجتماعية التي أتت بها الثورة مكنت حمادة صابر المسحول من أن يجد نفسه للمرة الأولى في حياته مستمتعاً، بالإضافة إلى جروحه وسحجاته، بفراش وثير في مستشفى أنيق محاطاً بأطباء كبار وممرضات منتقيات وزوار من كبار رجال الدولة تتراوح مكاناتهم بين «البيه» و «الباشا»، ويتناول ثلاث وجبات تحوي أليافاً طبيعية وبروتيناً حيوانياً، وهو البروتين الذي لم يشمه مطبخه المتهالك في بيته المتواضع منذ عقود. عقود متتالية من الكر والفر بين الحق والباطل وبين الإسلام والتأسلم وبين الخير والشر وبين الحرية والعبودية وضعت المصريين اليوم بين خيارين كلاهما مر، فإما أن يموتوا موتة محترمة تخلد أسماءهم وتضمن شهادتهم وتؤكد حريتهم، أو أن يعيشوا عيشة مهينة تهرس أسماءهم وتضمن تعذيبهم وتؤكد عبوديتهم. فحين يرفع المصريون شعاراً، ولو كان على سبيل السخرية السوداء، بأن مطالب الثورة صارت «عيش حرية موتة طبيعية»، وحين يتحدث الشباب في جلساتهم الاجتماعية أن غاية المنى وأقصى الأمل أن يلقوا وجه ربهم بطريقة غير دموية، وحبذا لو كانت خالية من الخرطوش ومنزوعة الرصاص، فإن هذا يعني أن مسار الثورة الحالي بات فيه سم قاتل. سم قاتل من نوع آخر، ولكنه خرطوش ذلك الذي قتل جابر صلاح الشهير ب «جيكا» (17 عاماً) قبل نحو شهرين. خمسة أجسام نارية أو شظايا خرطوش تم إطلاقها من على بعد 15 متراً استقرت في العمود الفقري ومخ جيكا ورقبته. هذا الخيار في الموت بات متاحاً ومطروحاً في شكل متزايد لمن يرفض «عيشة حمادة». حمادة وجد من يكتب له قصيدة تقول بعض كلماتها: «أنا الجاني وأنا المسحول، أنا الفاعل بأمر السيد المسؤول، أنا اللي قلعت كل هدومي بإيديا، أنا المخبول، أنا اللي عيوني مكسورة، أنا حمادة... أنا اللي شلت كل الطين على كتافي، وبزيادة. أنا اللي بقيت قليل الحيلة يا سادة. أنا اللي اخترته، دلوقتي أنا المعزول. أنا موافق أكون قاتل، لكن إزاي وأنا مقتول؟ أنا موافق أكذب نفسي علشانكم، لكن إزاي أصدقكم؟». ومن وجهة نظر نقدية، يهيأ للبعض أن القصيدة تندرج تحت بند الغزل في حمادة الذي لا حول له أو قوة ووجد نفسه متأرجحاً بين مكانة الضحية وخانة المتهم. آخرون اعتقدوا بأنها كلمات هجاء لحمادة الذي بدت عليه علامات الفرح وبانت عليه أمارات السعادة وهو يشكر السيد الوزير والسادة مساعديه وكل «الناس الطيبين» الذين عاملوه أفضل معاملة في داخل مستشفى الشرطة، وذلك بعدما تم تخليصه على أيدي ملائكة الأمن المركزي من أيدي المتظاهرين الأشرار الذي سحلوه وجردوه من ملابسه، وحمله الجنود معززاً مكرماً إلى المدرعة ليتلقى علاجاً «فايف ستارز» يحسده عليه ملايين ال «حمادة» من غير المسحولين والذين يتمنون أن يلقوا سحلاً آمناً وتعرية كريمة كتلك التي حظي بها حمادة صابر. جيل حمادة صابر البالغ من العمر 48 عاماً مصنف بأنه جيل «ابعد عن الشر وغني له»، لكن جيل «جيكا» الذي يمثل ما يزيد على 60 في المئة من المصريين هو جيل «قرب من الشر وطلع عينه»، حتى وإن كان ذلك يعني أن يكون جيلاً أقصى أمنياته جنازة كتلك التي حظي بها «جيكا». هذه ليست مبالغة أو تشبيهاً، فهي كانت رغبة أحدث شهداء «الاتحادية» محمد حسين قرني الشهير ب «محمد كريستي» (23 عاماً) والذي قتل في محيط القصر الرئاسي قبل ثلاثة أيام بطلقتين الأولى في الرقبة والثانية في الصدر، بعد دقائق من قوله: «لو مت عاوز جنازة زي جيكا من ميدان التحرير». ورغم اختلاف الأماكن وتراوح أسباب الوفاة، تظل جنازات تم تشييع أبطالها سواء كانوا أطفالاً قضوا في قطار أسيوط، أو جنوداً ماتوا في قطار البدرشين، أو صيادين غرقوا في مركب صيد، أو سكاناً قضوا في انهيار عمارة الإسكندرية، أو شباباً تم قنصهم في التحرير والاتحادية، جنازات متميزة وميتات يتمناها كثيرون. وليس أدل على ذلك من النكتة المنتشرة حالياً ويسأل فيها أحدهم: «هو كان مصري؟»، «أيوه!»، «ومات موتة ربنا؟»، «أيوه!»، «يا ابن اللعيبة!». لكن «أولاد لعيبة» آخرين لا يضيرهم أن يعيشوا عيشة حمادة والتي تحوي بدورها نماذج وأشكالاً عدة، فمنها ما تزينه أكياس الشاي والسكر والزيت عشية الانتخابات، ومنها ما يكلله وعد عتي بدخول الجنة والتمتع بنعيمها لا يتحقق إلا بكلمتي «نعم» في الاستفتاء و «آمين» في التعليمات، ومنها ما يحمل الخير لصاحبها من مكالمة هاتفية من السيد الوزير ورعاية طبية من الدكتور اللواء وفرصة عمل كانت عصية قبل السحل والتعرية.