منذ بداياته في أواخر السبعينات اختار الشاعر العراقي هاشم شفيق نبرة خافتة في كتابة القصيدة ومخاطبة العالم والتأمل في الحياة. وراحت هذه النبرة تترسخ، مع تطور تجربته، في أكثر من صيغة واقتراح وطموح. وربما يكون من بين أهم هذه الصيغ، الافتتان اللغوي بالكلمة وبالعبارة، والرغبة في تطهير المعنى من خلال بلاغة شفافة ومزج للرؤيا الشعرية بالتفاصيل اليومية والعابرة. التقت "الوسط" الشاعر بعد عودته من بيروت، حيث صدرت مجموعته الشعريّة الجديدة "غزل عربي" عن "شركة رياض نجيب الريّس" تتبعها مجموعة أخرى، إضافة إلى مختارات من شعره بالفرنسية في باريس. والحوار يتناول مجمل تجربته التي تقاسمتها المنافي بين بغدادوبيروتودمشق ونيقوسيا ولندن. بصدور ديوانك "غزل عربي"، ستكون نشرت 12 مجموعة شعرية. ما سرّ هذه الغزارة في الكتابة؟ - هذه الغزارة التي تتحدث عنها، أظن انها نشأت معي عندما كنت صغيراً، وظلت ملازمة لي منذ بواكيري الشعرية. إنها غزارة نسبية، لكن فيها قدر من الجمال الفني والكدح الابداعي والضنى الرؤيوي الذي يأتي غفلاً، من دون قسر وجبرية وتخطيط. ويمكن ان أعزو السبب الى الروح ودواخلها والى تاريخ وجغرافية وتراث وثقافة تسكن في داخلي، ناهيك بالتجارب والأحداث والانعطافات الحياتية التي بلورت وصاغت هذا النتاج. في الحقيقة انني متفرغ للكتابة، وليس هناك ما يشغلني خارج هذه الكتابة، فالشعر يستحق التفرغ ويحتاج الى أكثر من عمر. أحياناً أشعر اني أحتاج الى أكثر من زمن، او ان الوقت يطوى على نحو سريع ومريع، بينما هناك آلاف الأشياء تنتظر الكتابة عنها شهرياً، وهناك آلاف الكتب التي تقف بالدور لتأخذ حصتها من الرؤية والنظر والتأمل. ما هي المؤثرات التي كوّنت بداياتك، ماذا عن كتاباتك الأولى؟ - ان انطلاقتي الأساسية في مجالي الكتابة والقراءة والتي يمكن ان أحددها كمؤثرات ساهمت في تكويني هي سنّ الثالثة والعشرين. ففي هذه المرحلة بالذات دخلت الى عالم الشعر والقراءة دون توقف حتى اللحظة الراهنة، ففيها قرأت أدب الوجودية والسريالية والروايات العالمية والشعر العالمي، وأثّر بي كل من نزار قباني والبياتي ومن ثم السيّاب وأدونيس وسعدي يوسف وأنسي الحاج والماغوط. لقد نشرت قصائد النثر في هذه السن. ومن العالميين همت برامبو الذي كما أزعم غيّر مجرى نظرتي وحياتي الى الفن. لقد كان لكتاب السوري صدقي اسماعيل عن رامبو "قصة شاعر متشرد" أثراً عميقاً في. جعل مني هذا الكتاب شاعراً متمرداً يهجر العمل والدراسة والمجتمع، وينأى بذاته مع ثلّة من الشعراء الصعاليك الباحثين عن الرؤى، الناشدين الطريق البوهيمي والحياة العبثية والوجودية. وكان لي ثلاثة خلان في هذا المجال وهم الشعراء زاهر الجيزاني وخليل الأسدي وشاكر لعيبي. ليل بغداد وحدائقها وساحاتها ومقاصفها ومقاهيها في مطلع السبعينات لم تكن تتسع لأحلامنا ورؤانا وآمالنا وأفكارنا وطموحاتنا، والنقاش الذي لا يهدأ والمصحوب دائماً بقراءات متنوعة، في حدائق اتحاد الأدباء والموسيقيين والتشكيليين، او في المقاهي المبعثرة في شارع الرشيد وأبي النواس. وفي هذه المرحلة ايضاً تعلمت العروض الخليلي على نفسي، بعد ان منعت السلطات العراقية قصيدة النثر والشعر الشعبي. وهنا ساهم سعدي يوسف الذي أعتبره معلمي الأول وشاعري المفضل، النظر في هذه الطريقة الجديدة للكتابة، أعني القصيدة الموزونة، ومنذ تلك الفترة ظللت وفياً لهذه الطريقة مع تنويعات في الفترة الأخيرة في العودة الى قصيدة النثر. ما هي الخيارات الأسلوبية التي خضعت لها قصيدتك؟ هل يمكن ان تدلّ القارئ على خيط يجمع الحساسية الشعرية المشتركة بين مجموعاتك؟ - ليس في وسعي الاشارة الى ذلك، وأظن ان هذه المسألة تخص الذين يتابعون الحركة الشعرية العربية، وأقصد بهم النقاد وهم قلة في زمننا هذا. لكن باستطاعتي الايماء الى ان مناخي الشعري عموماً يتمتع ان جاز لي القول بالألفة والشفافية، وخيطها الجامع هو الانسان والطبيعة والأشياء. ثلاثة أقانيم أعتبرها أساسية في صميم أي قصيدة لي، طبعاً توجد الى جانب هذه المواصفات الأسلوب والأدوات والرؤيا والخيال، والمواصفات الأخيرة هذه هي متوفرة لدى أي شاعر قدم منجزاً معيناً في المجال الشعري، ولكنها تختلف من شاعر لآخر. القصيدة الصامتة في بعض مجموعاتك الأخيرة يلاحظ القارئ، انك توصلت الى شكل شبه ثابت لما تكتبه: قصيدة غالباً ما تكون مشهداً او حالة مقتضبة مشغولة بحرفية واضحة. - خير الكلام ما قلّ ودلّ، هذا كلام قديم، فالايجاز والايحاء والتقطير اللغوي هو ما أسعى اليه. لقد سئم الشعر العربي الثرثرة، وضجر القارئ من المطوّلات المملّة. سطور قليلة، وكلمات أقل، موحية ودالة ومعبّرة خير من تحبير عشرات الصفحات. مسعاي إذاً هو القصيدة الصامتة، المحمولة على موجات حلمية، مفتوحة على المتخيّل وتعيش على أمل الايحاء والاشارة. وكما يقول ايتالو كالفينو: "الأمل والمخيّلة هما العزاء الوحيد في ظل خيبات التجربة وأساها"، لكن هذا لا يعني اني لا أكتب قصيدة طويلة. اني أكتبها في حالة واحدة، عندما أريد ان أتحدث عن مخاطر ومزالق وانكسارات وتشظيات تعيق الجموع. من هنا فإني أنشد الرؤيا الملحمية ان صحت التسمية، لأستطيع الالمام بجميع الخيوط والتفاصيل والمشاهد والتجارب التي مرت بها هذه الحشود والمجاميع البشرية. كأن ارتياحك لهذا الشكل، أوصلك الى نوع من الاطمئنان، ويتبدى ذلك في الاكتشافات الشعرية القليلة، في النص وغلبة الأناقة الايقاعية عليه؟ - النقاد الذين كتبوا عنّي منذ أشعاري المبكّرة أشاروا الى الأسلوب والشخصية الشعرية، وخصال حسنة أخرى لا أحب التحدث عنها. وبرأي باختين الأسلوب هو مقتلة المبدع، فإني منذ مجموعتي الثانية رحت أتنقل في زوايا التناول الشعري وزوايا الرؤيا، ثقّفت نفسي ثقافة شعرية متنوعة، ذات قنوات وتيارات واتجاهات عدة، وأحسب أني مطّلع غريب على كل الظواهر والتحولات التي حدثت في عالم الشعر، عربية كانت ام عالمية. ومع ذلك وجدت انه ليس هناك أجمل من الاصغاء الى نداء الذات، ومحاورة صوت الأعماق، والاتكاء على الحرية الروحية والنفسية للشاعر. فكلمات مثل تغيير العالم والحياة، ومفردات كالتجاوز والتخطي والمغايرة، كلها مجرد كلمات مفرّغة من دلالاتها في عالمنا العربي خصوصاً. وكلمة الاكتشافات، تندرج أيضاً ضمن السياق اياه الذي أشرت اليه، سياق الكلام الباحث عن معناه. ما معنى "اكتشافات" أنا أسألك هل أجاب شعراء الحداثة عن أسئلة الحداثة، هل استوعبوا اكتشافات حقيقية كبودلير ورامبو ولوتريامون؟ باستثناء السياب، لم تكن هناك اكتشافات شعرية جوهرية، على صغر سنّه وتجربته الحياتية. وهنا أود الاضافة، هل الأناقة الايقاعية والحرفية تعدّان نقيصة للشاعر؟ لا أملك وطناً بديلاً عشت في عواصم عدة، هل ما زال المنفى له التأثير نفسه؟ - بالطبع لا. حين خرجت الى المنفى العام 1978، كنت في السابعة والعشرين، وقد تقلّبت في مواضع عدّة. وبمرور الزمن أصبح منفاي يتخذ بعداً فلسفياً وتأملياً، متخلصاً قدر الامكان من النوستالجيا والذهاب الى مفاتن المنزل الأول مع اعتذاري لأبي تمام في هذا الصدد. أصبح منفاي الآن داخل شعري او قصيدتي. إنني منفي في القصيدة، ومن خلال هذا المنفى الابداعي أستطيع التنافذ مع جماليات الطفولة، اي محاكاتها وولوج مغاورها ايحائياً لأصل الى ذاتي وكينونتي، عبر عالم القصيدة وجوهر صورها وما تحمله من رؤى وتصورات وأحلام. هل حوّلت سنوات الغربة المنفى نفسه الى حالة بديلة من الوطن؟ - المنفى، او الغربة بسنواتها لا تستطيع ان تحول الشاعر الحقيقي وتحرفه عن هويته وجذره وأصوله. الوطن البديل كما تسميه ليس لي. لكنّني لا أنكر فضل الوطن المضيف عليّ: الآن انكليزي ولي كامل الحقوق والواجبات التي تنطبق على أي مواطن بريطاني. بريطانيا أمّنت لي ولعائلتي الأوراق الضرورية والإقامة والدراسة والعلاج هذه الأشياء التي ذكرتها كلها، قشّة منها لم يوفرها لي أي بلد عربي، بل العكس يحاول ان يعرقل اقامتي بشتى الطرق، ويختلق لي المشاكل والأزمات المتلاحقة لكي أسارع في الخروج منه. وان تلكأت يسارع هو الى طردي بأسرع وقت ممكن. الدول العربية لا تهتم بالانسان فكيف تهتمّ بالمبدع، مهما كانت درجة ابداعه؟ ولذلك تجد المبدعين العرب هائمين على وجوههم في بلدان العالم. المبدع العربي يعيش في الغرب بكرامة وحرية وراحة بال، والحرية أثمن ما يملكه المبدع. بيروت العاصمة الشعرية بين هذه المدن أقمت فترة في بيروت، ماذا عن تأثيرها فيك كمختبر للكتابة والتفاعل مع تجارب مختلفة؟ - الذي لم يعرف بيروت، خصوصاً بالنسبة إلى الشعراء، سيبقى ينقصه شيء ما في اعتقادي. بيروت هي العاصمة الشعرية العربية الوحيدة الآن، في ظل ضمور القيم وضياع المعايير وانحسار الحرية في الشرق. في الرابعة والعشرين كنت أقيم في بغداد، وعنّت في رأسي بيروت والبحر، فركبت آنذاك باصاً من منطقة الصالحية في بغداد متجهاً الى دمشق، ومن دمشق جئت الى بيروت. فيها تزوّدت كتباً ممنوعة ومجلات "شعر" و"حوار" و"أدب" و"مواقف". ووقفت أنظر إلى البحر، كي أتمكن فيما بعد من الكتابة عنه، هذه هي بيروت كما أراها، من زاوية قلبية وروحية وشعرية. ترجمت عدداً من الشعراء الأوروبيين إلى العربىّة. كيف تنظر إلى مسألة الترجمة؟ - الترجمة في زعمي عمل مواز للابداع، وأنا ترجمت شعراء أحبهم، أثروا فيّ ، في ذائقتي ومخيّلتي وروحي. وحين مضيت في تفاعلي مع تلك النصوص من خلال نقلها الى العربية. كنت أقوم بنقل نفسي وبصمتي ونسقي التعبيري، إضافة إلى كل جماليات القصيدة الأصلية. ان الترجمة عمل لا يقل عن كتابة قصيدة بالنسبة اليّ. إنّها فعل ابداع ماذا عن "بيت الشعر" الذي سبق أن أعلنت عنه من بريطانيا؟ - كانت لدي فكرة بسيطة، وسرعان ما تحققت، هي انشاء "بيت الشعر" في لندن. هذا البيت الهدف منه أن يجمعنا، ويجعلنا نحافظ على هذا الفن الراقي من التدهور والغياب، في ظل الفوضى التكنولوجية. لقد كتبت بياناً تأسيسياً ونشرته في غالبية الصحف والمجلات العربية، بيّنت فيه برنامج "بيت الشعر" وما يطمح اليه مستقبلاً. انها مبادرة شخصية من جهتي، وقد أعلنت في كلمة الافتتاح عن تأسيس "مجلس للشعراء" ينتخب الشخص الذي سيكون مسؤولاً عن البيت بعد سنتين من تأسيسه. وهنا يحق لأي شاعر ان يرشح نفسه لتولي مسؤولية البيت