إلتقينا صدفة... أنا وهيام... هيام من مرجعيون... من جنوبلبنان... تزاملنا على مقاعد الدراسة في بيروت... بكينا حين التقينا... ولم نتساءل لماذا... جلست معي في الحديقة نشرب القهوة... ونراقب البلابل المهاجرة تحط وتطير... - "هل تذكرين ماري...؟" في بيروت كانت ماري تعمل القهوة... تنظف غرفنا... وأحياناً تمد يدها الى أشيائنا ونتغاضى عنها... مسكينة...! مرة حدثتنا عن الخاطب الذي خطفته بنت الجيران... - "ترى أين ماري الآن؟" "ربما هاجرت... مثل غيرها...!" طيور كثيرة تمر في الحديقة كل عام... الخطاطيف... والبلابل... والحساسين... والببغاوات الخضر... - "أين أرضك الآن يا هيام...؟" "في الارجنتين... في أقاصي الأرض...!" نصف الكرة الجنوبي يمر الآن بفصل الشتاء تجتاحه العواصف الثلجية... أسراب الطيور تعرف مواعيد هجرتها... تترك أعشاشها وتهاجر شمالاً قبل اشتداد الزمهرير... بعد حين يعبر الشتاء الى الشمال... تعود الطيور جنوباً وراء لمسات الدفء... شيء ما قد ضاع... هاجر من عيني هيام... - "سنسافر قريباً" قلت. صيفنا قاسٍ في احتدام القيظ... نهجر مدننا لنقضي الصيف في ربوع أخرى... كان الصيف جميلاً في القرى الجبلية: عاليه وبحمدون وصوفر... همست هيام: "نحن نهاجر من دون مواسم... وبعضنا يطول به موسم الهجرة حتى ينسى طريق العودة"! - "كيف لبنان الآن يا هيام..." "شارع الحمراء تشعشع أنواره وتنطفئ..." - "والبرج... وسوق الطويلة؟... وسوق سرسق...؟ الأسواق المليئة التي كانت تغري طيور الأرض الأخرى...؟" "ما زال يملؤها اليوم القصب البري... وركام البنايات!" - "والروشة. والمطاعم الصاخبة بالأنس؟" "ران عليها الزمن صمتاً... وما زالت تحاول الحوار... لم تخل بعد من الطلاب... والعشاق... والفنانين والأدباء" - "والكورنيش...؟" "البحر ما زال هناك... البحر لا يهاجر!" - "يملؤني الحزن يا هيام. من الذي محا كل ذكريات الفرح"". "لا ندري!... ربما هم... ربما نحن... ربما كلنا... بعضنا ظل هناك... يأكل... يحتفل... ينجب أطفالاً... يلعب بالبنادق والرصاص... ويصدّ آذانه عن أصوات الموت..." - و"الفرح يا هيام...؟" "لا أدري... ربما هاجر مع الطيور المهاجرة...؟" - "الوجوه حين أراها... فقدت لون المشمش... ونكهة الاكادينيا... وشذى زهر البرتقال... لم تعد تهمس بالفرح... لماذا قتلتم الفرح يا صديقتي... لماذا قتلتم لبنان الجميل؟" "لا أدري...! أصابع غريبة دخلت من دون استئذان... فتحت الأبواب للجنون... وللمياه العكرة... تكاثر الصيادون..." - "ترى هل سيعود لبنان يوماً؟" "لا بد ان يعود... يوماً ما...! ولكن الطيور المهاجرة قد تكون عندئذ نسيت نكهة الاكادينيا... وما عادت تذكر أعشاشها في شجيرات البرتقال...".