بعد مضي ستة أشهر على اغتياله برصاص المتطرفين، تعيد الجزائر اكتشاف الطاهر جعوط. وتترافق مناسبات تكريم هذا الاديب والصحافي الشاب مع ظهور ترجمة لاحدى رواياته الى العربية، ومع قيام "اللجنة الدولية للتضامن مع مثقفي الجزائر" باصدار ملف يضم أبرز الكتابات الصحفية التي نشرها الاديب الشاب في مجلة "روبتور" الفرنكوفونية التي كان شارك في تأسيسها أشهراً قبل سقوطه. والاحتفال بذكرى جعوط، يأتي ليجمع النخبة المثقفة حول رمز من رموز صمودها في وجه الاصولية والتطرف الاعمى. فالتعريب الادبي الاول لعمل يحمل توقيع هذا الكاتب الذي عبّر عن نفسه باللغة الفرنسية، صدر أخيراً عن مؤسسة "إيناب". الرواية عنوانها "البحث عن العظام"، قام بتعريبها جيلالي خلاص، وهي تشكل، الى جانب "ابتكار القفار" و"العسس"، ثلاثية يجمع بين أجزائها هاجس البحث عن الذات والهوية، ومساءلة للتاريخ عبر عملية اعادة قراءة وتفكيك لمختلف مراحل تكون الدولة والمجتمع الحديثين في الجزائر. وتشكل تجربة جعوط هذه احدى دعائم أدب الواقعية في الجزائر، على غرار ثلاثية الطاهر وطار "اللاز" - "الزلزال" - "العشق والموت في زمن الحرّاشي"، وثلاثية عبد الحميد بن هدوقة "نهاية الامس" - "ريح الجنوب" - "الجازية والدراويش"، وثلاثية رشيد ميموني "النهر المحوّل" - "طومبيزا" - "شرف القبيلة". تروي "البحث عن العظام" حكاية قرويين ينطلقون في رحلة طويلة، بحثاً عن رفات شهدائهم، خلال السنوات الاولى لاستقلال الجزائر، وذلك عملاً بأوامر أحد القادة العسكريين لثورة التحرير الذي اعتاد بعد الاستقلال أن "يضع على رأسه خوذة استعمارية، ويخطب في ساحة القرية طوال اليوم، خطباً جياشة عن المدنس والمقدس، عن الشجاعة والجبن، وعن الحلال والحرام. وذات صباح، جمع كافة القرويين، ودون أدنى تمهيد، راح يلقي في وجوههم المتعطشة، خبر أكثر المؤامرات خطورة، ناقداً بحدّة أنانيتهم وتماديهم في نسيان أولئك الغائبين الشهداء الذين ندين لهم بكل شيء. فسارع القرويون الى "تحليس" حميرهم، وتزودوا بزاد الاسفار الطويلة، وانطلقوا في رحلة البحث عن رفات موتاهم. وهي رحلة امتدت أشهراً وسنوات، وروى العائدون منها أشياء غريبة يصعب على العقل تصديقها، وحكايات عن أراض رملية حمراء قانية، وحرارة قادرة على سلق الاغذية"... والتعريب الذي قام به الاديب جيلالي خلاّص، صاحب "حمائم الشفق" وأحد أبرز كتاب "الرواية الجديدة" في الجزائر، يعكس جهداً واضحاً لتقديمه في لغة سلسة، مطعّمة بمقاطع كاملة كتبت بالعامية الجزائرية الاقرب الى واقع هؤلاء القرويين، وأغنياتهم، ونمط حياتهم... أما في باريس، فصدر عن "اللجنة الدولية للتضامن مع مثقفي الجزائر"، ملف بعنوان: "الطاهر جعوط بين القطيعة والوفاء" و"قطيعة" هي ترجمة لعنوان مجلته الفرنسي "روبتور". ضم الملف كتابات جعوط السياسية التي تعكس تفاعله مع أوضاع بلاده. بينها مقالته الشهيرة التي تطلق نفير الانذار، عشية الانتخابات التي ستشهد فوز الاسلاميين: "إن الجزائر لو سقطت بين أيدي حكم ظلامي وشمولي - كتب جعوط يومها - فلن تقوم لها قائمة بعد ذلك". لكن جعوط لم يفته أن يسلط الضوء على المقلب الآخر من المأساة، فهو يكتب قبل اغتياله بيوم واحد: "هل أن السلطة نفسها التي استطاعت أن تضمن الاستمرارية بفضل حركات التغيير المحدودة المتوالية منذ استقلال الجزائر، تدخلت في الغاء الانتخابات التشريعية التي شهدت فوز الاسلاميين، بدافع انقاذ البلاد كما أشيع، أم لانقاذ نفسها من الاندثار؟"...