يعتبر الكاتب جيلالي خلاّص من أهم الكتّاب باللغة العربية في الجزائر، وهو من مواليد 1952 وينتمي الى جيل السبعينات الذي يتميز بإتقانه اللغتين العربية والفرنسية. وله من المؤلفات ما يفوق الخمسة عشر عملاً، تنوعت بين قصة ورواية ودراسات وترجمة. فهو ترجم رواية "الإرث" لرشيد بوجدرة، ورواية "البحث عن العظام" للطاهر جعوط، فيما تُرجمت أعماله هو الى الفرنسية والانكليزية والألمانية والإيطالية والصينية والروسية. وروايته هذه "رائحة الكلاب" الصادرة عن المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار، كانت نالت جائزة "عبدالحميد بن هدوقة" للرواية سنة 2000. والرواية أشاد بها البعض كما ورد على غلافها، فقال فيها حسين قحام: "رواية "رائحة الكلب" منعطف متميز للرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية". وإن كانت هذه الرواية بحسب ما وصفها البعض، تحفة نادرة في الأدب الجزائري، فهذا يعني أن الأدب الجزائري سيئ، وضعيف المستوى. وعلى كلٍ، فالرواية صدرت في طبعتها الثانية، وهذا مبرر على أنها رواية ناجحة. ولكن لنكن واقعيين ونقرأ الرواية من جديد، ونتأمل عالمها الذي اقترحه الكاتب الذي هو كاتب قصة قصيرة جيد، وقديم، وروائي وسط وجديد... هل يبدو من هذا الكلام ظلم للكاتب؟ إن نص الرواية لا يختلف عن "ليغو" لمجموعة كبيرة من القصص القصيرة، حاول الكاتب من خلالها نقلنا بين واقع معاش، وواقع مضى، واقع متخيل لكاتب يعيش "هرم" حياته الثلاثي الأوجه بين الغيبوبة والصحو إثر تعرضه لحادث انهيار العمارة التي يقطن فيها عقب زلزال قوي. وهذا ما تبدو عليه الفكرة أساساً، وإن قصد الكاتب غير ذلك، فقد أخفق في مبتغاه. ويبدو أنَّ هذا البناء الهرمي أتعب الكاتب، لأن حركة السرد عنده، سلكت منعرجات متكسرة، وتعثرت أكثر من مرة أمام الصيغة الخطابية التي اختارها. وربما لهذا السبب أيضاً صار مهربه الوحيد هو الجنس، فكان الحلقة الرابطة بين قطع "الليغو" لديه، إذ أسهب في وصف العملية الجنسية بين البطل ومحبوباته، وتفنن في وصف الأوضاع الجنسية وتفصيلاتها مع أنها تبدو مقحمة حتى وهي مفعمة بجمالية مرتكزة على الإثارة المقصودة. كأن دائرة أحاسيس الكاتب ومبتغاه منحصران ضمن هذا النمط من عناصر الإغراء. ولن أتحدث هنا عن مواقف الجنس التي يلجأ اليها الكتّاب باللغة العربية كتقليد بائس لا مبرر له، وخروجٍ عن إطار علاقة شرعية ونظيفة بين الرجل والمرأة. فالرجل دائماً نموذج مكابر يعاشر المرأة لإبراز فحولته، فيما المرأة هي النموذج الأسوأ من الكائنات. فهي العشيقة المستترة والمتخفية في قاع المجتمع لكونها مومساً أو امرأة مرفوضة. وفي "رائحة الكلب" لا نخرج عن هذا الإطار، خصوصاً حين يقسّم الكاتب محيط نسائه الى نساء غير فاعلات هن أخوات البطل. وتبدو مرجعية ذلك شخصية محض، ونساء لا يسجلن حضورهن إلاَّ بممارسة الجنس، وبالتالي فلا حضور لهن من دون عطائهن وتنازلهن الجسدي. هل صوَّر الكاتب واقعاً؟ وهل هو واقع جزائري ما قدمه في قالب روائي ومنحه ما يشبه الخلود، على أساس أن النص الأدبي يدخل ضمن الآثار المحكية والمتوارثة إنسانياً منذ أقدم العصور، وهو الذي يؤرخ للموروث المعيشي والحضاري. نعم يحق لأي امرأة جزائرية يقع هذا النص بين يديها أن تبحث عن وجهها المشرق، عن تاريخها الثوري العظيم، عن تضحياتها، عن تفانيها، وعن كل الإيجابيات التي تميزت بها. ويحق لها أن تبحث عن الجواب بين صفحات هذه الرواية التي نالت جائزة "عبدالحميد بن هدوقة". طبعاً يغيب هيكل المرأة المحترم في الرواية، على رغم أنَّ الكاتب قدَّم نصّاً متخماً بمجموعة معارف معيشية، واغترف من معين شعبي ثري، قام أساساً على مستويات عدة أهمها مستوى الفعل الثوري ثم مستوى تراكمات الماضي والطفولة، والمستوى الأسطوري، ثم المستوى الإيديولوجي. وقد يحسب البعض من خلال قراءة الرواية، بناء على طريقة سرد الراوي، أن هناك شططاً في الطرح، أو أنه لا يخرج عن كونه أضعاث أحلام. والحقيقة أن الكاتب أراد التنويع ولكنه أخفق في بناء لغته في شكل جمالي لا يكسر ايقاع المشَاهِدَ في تتاليها المنطقي. فهو أراد حتماً اعتماد مستوى سردي معين توخى فيه معجماً لغوياً إيحائياً يحمل شحنات دلالية متعددة، مازجاً بين التداول الشعبي للأحداث وبين السردية الرسمية لهذه الأحداث. لكن كثرة مداخلاته لشرح بعض الصور في شكل جمل بين قوسين خلقت تقطعاً واضحاً في مستوى السرد. ومن جهة أخرى يضيع القارئ بين شخصياته الكثيرة التي يأتي على ذكر بعضها لمجرد الذكر، فهي شخصيات غير فاعلة، ولا تأثير لها على مستوى سرد الأحداث. ثم هناك لجوؤه الى العجائبية والغرائبية كركيزتين شبه أساسيتين في بناء "رائحة الكلب" وتقاطعهما مع ركيزة الحدث الواقعي. وهذا ما جعل الرواية تغرق في بحر من الغموض. ولعلّ الانتقال المفاجئ من الواقع الى الذاكرة، والإطالة والاستغراق في الماضي ثم العودة الى الحاضر في شكل مقتضب وتداخل الأزمنة لم تمنح جميعها الرواية إلا مزيداً من التعقيد. حتى العنوان يطرح سؤالاً عن مغزاه. فعلى أي أساس سميت الرواية "رائحة الكلب"؟ هل لأن للبطل كلبين، كلب الحاضر راكس، وكلب الماضي طيو؟ إنه نص قلق، ضائع بين اللامنطق والغموض، لبطل يعيش تحت الأنقاض مستعيداً مشاهد الجنس التي أسرف الكاتب في زرعها على مساحات النص، ومشاهد أخرى تنوعت بين حقائق معيشية اختزنتها الذاكرة، وأخرى يغلب عليها وهم الكتابة. إن "مأزق" هذه الرواية لا يقف عند حَدِّ فوزها بالجائزة، بل يمتد الى مستوى الطبع الرديء. فالنص تحوَّل الى "مجزرة" في ما يحوي في أخطاء طباعية ولم تسلم ولو صفحة واحدة من الأخطاء.