السينمائي الأميركي دافيد لينش من أشهر الأسماء في دنيا الفن السابع على رغم ان أعماله تلاقي الكثير من الصعوبات بالنسبة الى توزيعها على المستوى الأميركي المحلي. فالرجل يعثر على تمويل أوروبي، خصوصاً فرنسي، لينفذ أفلامه، ولكنه لا يجد لدى هوليوود من يجاذف باستثمار ملايين الدولارات في أفلام لا تجذب سوى فئة قليلة نسبياً من المتفرجين. بين الممثلات اللاتي يجذبن لينش فيلجأ إليهن في أفلامه في شكل شبه دوري، لورا ديرن الأربعينية الجذابة التي عملت مع ستيفن سبيلبرغ وكلينت أيستوود والتي وجدت نفسها للمرة الثالثة أمام كاميرا لينش في فيلمه الجديد"إمبراطورية داخلية"النازل حديثاً إلى صالات السينما في أوروبا، والذي يدوم حوالى ثلاث ساعات. شاركت لورا ديرن في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي في فيلم"بلو فيلفيت"من إخراج دافيد لينش، ولم تكن تبلغ بعد الثامنة عشرة من عمرها، بينما كانت بطلة الفيلم إيزابيلا روسيلليني، زوجة لينش في ذلك الوقت، ثم عادت لورا إلى العمل تحت إدارة لينش في فيلم"قلب متوحش"في 1990 متولية البطولة النسائية المطلقة هذه المرة، إلى جوار النجم نيكولاس كيج. وفي فيلم"إمبراطورية داخلية"تؤدي ديرن شخصية ممثلة معروفة توافق على المشاركة في فيلم من النوع المخيف، ثم تكتشف مع مرور أيام التصوير، أن العمل ذاته كان قد نفذ من قبل وأن بطلته أغتيلت قبل أن تنتهي من أداء دورها فيه. وإنطلاقاً من هذه النقطة تتوالى الأحداث الغريبة والمروعة في حياتها، وتمتزج أحداث الفيلم الذي تمثله بما تعيشه هي شخصياً خارج فترات التصوير، الأمر الذي يحوّل لياليها كوابيس حقيقية. جاءت ديرن الى باريس لحضور حفلة تكريم لينش، فالتقتها"الحياة"في حوار تناول السينما والمرأة، باعتبار أن المرأة في أفلام لينش هي في شكل عام محور أحداثها. تعثرين في أفلام دافيد لينش على أدوار في قمة القوة والغموض، فهل تعتبرين نفسك محظوظة كممثلة؟ - طبعاً، ولا أعرف ممثلة لا تتمنى العمل تحت إدارة هذا المخرج العبقري، خصوصاً في فترة تتسم بقلة الأدوار النسائية القوية في السينما الأميركية، لا سيما الهوليوودية. أن أفلام لينش مبنية من الألف الى الياء، حول شخصية نسائية غالباً ما تكون عميقة وذكية وغامضة، فمن هي الممثلة في العالم التي لا تعتبر نفسها محظوظة إذا حازت على دور من هذا الطراز. هل يمكن مقارنة لينش بألفريد هيتشكوك مثلاً، من ناحية أهمية الشخصيات النسائية في أفلامه؟ - نعم ولا، فهيتشكوك لم يكن يحب المرأة حقيقة وكثيراً ما جعلها سبب المشاكل التي عانى منها البطل، ما لم يمنعه من رسم شخصيات نسائية جديرة بالإهتمام وقوية جداً في مضمونها. وأنا أفكر مثلاً في بطلات أفلام"مارني"و"الطيور"و"الشمال والشمال الغربي"و"الجريمة المثالية". صحيح أن غريس كيلي مثلاً، عثرت على أقوى شخصياتها السينمائية في أفلام هيتشكوك، لكن لينش يتمتع بنظرة حب تجاه المرأة لم تتوافر لدى زميله الراحل، ما لا يعني أنه ينظر إلى المرأة وكأنها من صنف الملائكة، لكنه يقف في صفها من خلال الكاميرا أكثر مما كان يفعله هيتشكوك. هل تعرفين ما الذي يجعله يختارك بصورة دورية للعمل في أفلامه؟ - لا، وعلى العموم فأنا لا يهمني السبب بقدر ما أتمنى أن تدوم هذه الحال في المستقبل لأنني سعيدة جداً بالعثور على فرص لأداء أدوار على هذا المستوى من النوعية المتفوقة. أنت ظهرتِ في أحد أجزاء"جوراسيك بارك"من إخراج ستيفن سبيلبرغ، وكنت محاطة بالديناصورات، ومن المعروف عن سينما سبيلبرغ أنها لا تتمتع بأدنى علاقة مع سينما لينش، فما موقفك كممثلة تجاه الأنواع المختلفة من الأدوار التي تعرض عليك؟ - لا شك في ان سبيلبرغ هو أيضاً من عباقرة السينما حالياً، وأن كانت أفلامه تنتمي إلى نوع آخر من السينما بالمقارنة مع لينش. أنني سعيدة بالعثور على أدوار تتأرجح هكذا بين اللونين الدرامي السيكولوجي العميق، ثم المسلي المتجه الى الجمهور العريض جداً والمبني على المؤثرات المرئية والصوتية الحديثة المتطورة. وأفضل ذلك على البقاء دائماً في لون واحد وعلى التخصص الذي يثير الملل بعد فترة، وأقصد مللي الشخصي، ولكن أيضاً ملل المتفرج من الممثل في النهاية. أن التنويع يسمح لي بالاحتفاظ بغموض ما في نظر جمهوري، وهذه ميزة أتمنى أن تلازمني مدى الحياة. مثلتِ في أفلام سينمائية وحلقات تلفزيونية وأيضاً فوق المسرح قبل أن تعرفي الشهرة بفضل فيلم"قلب متوحش"عام 1990، فما رأيك في شهرتك المتأخرة إلى حد ما؟ - لقد مثلت فعلاً في المسرح والسينما والتلفزيون قبل أن أشتهر بسنوات عدة، والمسألة تتعلق دائماً بالحظ والصدفة، فالأفلام التي مثلت فيها قبل"قلب متوحش"لم تعرف الرواج في العالم، الأمر الذي لا يعني إنها رديئة أو دون المستوى، وأستطيع التأكيد ان بعضها يوازي بعض أفلامي المعروفة من ناحية النوعية، وعلى العموم حتى إذا كانت هذه الأفلام في نظر البعض غير جديرة بالاهتمام، فهي سمحت لي بتعلم مهنتي وبالتالي لا أنكر فضلها علي. ولكن الحكاية مثلما ذكرته تواً ترتبط بالحظ، وإذا نجح الفيلم على المستوى العريض انتشر إسم بطلته أو بطله بسرعة البرق وهذا ما حدث معي. لقد عشت نجوميتي حينما جاءتني بفرح شديد وتخيلت نفسي ملكة فوق عرش السينما، ثم نزلت من فوق عرشي لأكتشف أن الحياة ليست أسهل بفضل الشهرة وأن الحفاظ على النجاح أصعب من الوصول إليه. دفاعاً عن المرأة ما هي طموحاتك كإمرأة في الحياة اليومية، خصوصاً أنك تمثلين في أفلام لينش شخصيات نسائية قوية تسعى إلى السيطرة الكلية على مصيرها؟ - طموحاتي أن أستمر في الإحتفاظ بالحقوق التي اكتسبتها من خلال المعارك التي خاضتها النساء قبلي، وأقصد اللاتي انتمين إلى أجيال مضت. وأنا أعرف إنني محظوظة جداً بالمقارنة مع غيري، ولا أعني فقط في بلدان أخرى، بل حتى في أميركا أو في أوروبا، حيث يقال أن هناك امرأة تموت بسبب الكدمات التي تتلقاها من رجل ما، كل ثلاث أو أربع دقائق. أنا مصابة بحالة من الذهول أمام مثل هذه الإحصاءات المخيفة، لذا أعبر عن تضامني الكامل مع الحركات النسائية الجدية التي تسعى إلى تسليط الضوء على النساء الضحايا، والتي تنادي بعدم تجاهل ما يحدث وتحض المرأة مهما كانت ظروفها المعيشية صعبة، على عدم تقبل هذه الأوضاع وعدم الخضوع لها. هناك أجهزة متخصصة في سماع شكاوى النساء اللاتي يعانين من سوء المعاملة، ولا بد من أن تلجأ المرأة إلى هذه الجهات وألا تخاف النتائج التي قد تترتب على تصرفها هذا. وماذا عن وضع المرأة على صعيد الحرية في علاقاتها العاطفية مثلاً؟ - أعتقد بأن المرأة في الغرب قطعت الكثير من المراحل من هذه الناحية، لكن الأمر لا يكفي بما أن هناك غالبية من النساء في الدول النامية، لا تعرف بعد معنى هذه الحرية وتكتفي بأن تفعل ما تطلبه منها عائلتها وتتزوج العريس المختار لها وإلا عوقبت وكأنها لا تعرف معنى الشرف. وأنا أؤكد لك أن هناك رجالاً في الغرب ما زالوا يتميزون بهذه العقلية وإن كانوا يتسترون وراء التفتح الذهني. وهل عثرت أنت على سعادتك العاطفية؟ - السعادة في رأيي هي أكبر الأوهام، لكنني عثرت على حرية ما تسمح لي على الأقل بالبحث عن لحظات من السعادة من دون أن أخضع لشخص ما. وهل يلعب المال دوره بشكل ما في حريتك هذه؟ - طبعاً، فأنا أكسب لقمتي بطريقة مجزية وبالتالي أتمتع باستقلال لا جدال فيه تجاه الرجال الذين يشاركونني حياتي العاطفية. مضمون سيكولوجي ما هي علاقتك بوالدتك الممثلة ديان لاد التي تظهر أيضاً في فيلم"امبراطورية داخلية"، ثم بوالدك الممثل بروس ديرن؟ - لقد تجاوزت مرحلة المشاجرات مع أمي وإلقاء الملامة عليها في شأن كل ما يحدث لي من سلبيات في حياتي، وأعتقد بأن علاقتي معها الآن أحسن مما كانت عليه قبل عشر سنوات مثلاً، بمراحل كبيرة. أما والدي فهو أعز رجل في حياتي، وربما أنني بعد في حاجة إلى تحديد علاقتي معه، حتى لا يطغى وجوده في عقلي ونفسي على كل رجل يقع في غرامي، خصوصاً أنني لا أرى في هؤلاء من يستطيع منافسته في ميدان الحسنات. أنا في حاجة ماسة إلى علاج نفسي، لكن أفلام دافيد لينش توفر لي هذا العلاج إلى حد ما بفضل مضمونها السيكولوجي. يقال أن لينش من النوع الطاغي مع الممثلات ومع النساء عموماً، فما رأيك؟ - دعني أقول لك بأنني أفضل المخرج العبقري الذي يتصرف فوق بلاتوه التصوير بشيء من الطغيان، على غيره من الذين يتسمون باللطف الدائم، لكنهم يصنعون الأفلام"اللطيفة"أيضاً، المجردة من أي قيمة فنية حقيقية ومميزة. أما عن نفسي فلا أستطيع القول إن لينش أخطأ في تصرفاته معي ولو مرة واحدة أثناء العمل أو خارجه لكنني لا أشاركه حياته الشخصية وبالتالي أعجز عن الرد في شأن أسلوبه في التعاطي مع النساء المقربات إليه. أعتقد، حسب ذكرياتي، بأن باتريسيا أركيت لم تتفق معه خلال تصوير فيلم"الطريق المفقود"، ولكن ربما أنها كانت لطيفة أكثر من اللازم معه ومرتبكة أمامه إلى حد ما، الأمر الذي جعله يتخذ موقف الديكتاتور تجاهها. ففي النهاية لينش حاله حال كل الرجال، يستغل نقطة الضعف لدى المرأة كي يفرض شخصيته عليها ويطلق العنان لهرموناته حتى لا ينسى أنه ينتمي إلى جنس الذكور الخشن.