"على رغم زيادة المخصصات المالية، يتضح ان الاستثمار في مشاريع الطاقة في الشرق الأوسط بدأ يفقد زخمه". هذا هو الاستنتاج المهم والجديد الذي توصلت إليه بحوث"المؤسسة العربية للاستثمارات البترولية"أبيكورب، التي أسستها الدول الأعضاء في"منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول"أوابك عام 1975 في السعودية. ونشرت"أبيكورب"نتائج البحوث في نشرتها الاقتصادية الشهرية الأخيرة. يعود هذا الاستنتاج إلى ظاهرتين مهمتين: الارتفاع المتصاعد في تكلفة المشاريع الذي استمر منذ فترة طويلة ولا يبدو ان ثمة نهاية له في المستقبل المنظور. والمشاكل التي برزت أخيراً في أسواق المال العالمية، التي بدأت تداعياتها الدولية تتضح بصورة أوسع أخيراً، والتي قلصت تدفق الاستثمارات الرأسمالية إلى الشرق الأوسط. ويستنتج بحث"أبيكورب"ان"ثمة معطيات جديدة للاستثمار في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات والكهرباء في دول الشرق الأوسط في المدى المتوسط بين عامي 2008 و2012، مقارنة بالسنوات الأربع الماضية". ويشير إلى التحديات الناجمة عن هذا الاستنتاج، ومنها ان الشرق الأوسط يحتوي على 67 في المئة من احتياط النفط العالمي و45 في المئة من احتياط الغاز. من ثم، فإن دول المنطقة مهيأة للعب دور كبير في ردم الهوة بين زيادة الطلب العالمي على الطاقة وتباطؤ العثور على مصادر طاقة جديدة من دول أخرى في العالم. وبالفعل، ارتفعت حصة إنتاج النفط الخام والمكثفات من الشرق الأوسط من 35 إلى 37 في المئة من الإنتاج العالمي ومن 12 إلى 17 في المئة من الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي خلال العقد الماضي. ويستنتج البحث ان"في حال استمرار الطلب العالمي على نفط الشرق الأوسط، والذي يأخذ الغاز الطبيعي موقعاً مهماً فيه، فمن الممكن ان يوفر هذا للمنطقة فرص النمو اللازمة لتحقيق كامل طاقتها". ومن الطبيعي ان يترك أي تباطؤ في تطوير طاقة إنتاجية إضافية في الشرق الأوسط، آثاراً سلبية على الصعيد العالمي نظراً للدور المهم لصناعة المنطقة على الساحة الدولية. ويؤكد البحث ان مجمل قيمة الاستثمارات في الطاقة المخطط لها أو التي هي في طور التنفيذ في الشرق الأوسط الدول العربية وإيران بين عامي 2008 و2012 تقدر بنحو 490 بليون دولار، بزيادة 24 في المئة عنها بين عامي 2007 و2011 ونحو 52 في المئة عنها بين عامي 2006 و2010 حين بلغت 260 بليون دولار، بزيادة 17 في المئة عنها بين عامي 2005 و2009 حين بلغت 210 بلايين دولار. ويشير الى ان الاستثمارات الرأسمالية كانت تعزى حتى الفترة 2006 - 2010 الى ارتفاع عدد مشاريع الطاقة. أما نتائج البحث بين عامي 2007 و2011 فتشير إلى استقرار عدد المشاريع، أي عدم زيادة عددها على رغم ارتفاع حجم الرأسمال. لكن البحث يشير إلى ان النتائج التي توصل إليها للفترة 2008 - 2012 تختلف كثيراً عن المراحل السابقة. فللمرة الأولى، على رغم الزيادة الملحوظة في المخصصات الرأسمالية، انخفض عدد المشاريع على صعيد المنطقة برمتها نحو 10 في المئة، باستثناء الإمارات. ومن الملاحظ في التخطيط للمشاريع الاتجاه نحو الأكبر والأضخم. ويشير البحث أيضاً إلى ان نحو نصف المشاريع المخطط لها في المرحلة المقبلة سيكون في ثلاث دول، السعودية وإيران وقطر، وان السعودية تبقى في المرتبة الأولى لاستثمارات الطاقة إقليمياً مع تخصيص نحو 105 بلايين دولار. ويتضح ان إيران قفزت من المرتبة الثالثة إلى الثانية، بسبب زيادة معدل التضخم فيها عنه في دول مجلس التعاون. ويؤكد ان اكثر من 50 في المئة من الاستثمارات النفطية في الشرق الأوسط هي في دول مجلس التعاون الخليجي، وهذه الحقيقة تعكس بالطبع حقيقة وجود الاحتياط النفطي في تلك المنطقة بالذات. وتعزو"أبيكورب"سبب زيادة التكاليف إلى ضخامة حجم المشاريع الجديدة مقارنة بالمشاريع السابقة، خصوصاً بسبب زيادة تكاليف التشييد وشراء المعدات والخدمات الهندسية، والنسب العالية والمتصاعدة لأرباح المقاولين، وزيادة تكلفة الأخطار السياسية. ويشير البحث إلى ان 49 في المئة من استثمارات الطاقة للفترة المقبلة ستُخصص لتشييد المصافي والمصانع البتروكيماوية، وان 41 في المئة من الاستثمارات مخصصة لمشاريع الغاز من ضمنها تأمين الغاز لمصانع الأسمدة والبتروكيماويات. ويبين تغييراً في مصادر تمويل الاستثمارات النفطية في المنطقة، إذ انها خلال الفترة 2008 - 2012 تتشكل من 50 في المئة قروضاً و50 في المئة مساهمات المؤسسين، مقارنة بنحو 47 في المئة و53 في المئة على التوالي خلال الفترة 2007 - 2011. إلا ان البحث يحذر في الوقت ذاته من الحجم المتراكم للديون في تشييد هذه المشاريع والذي بلغ 49 بليون دولار. يُذكر ان الغالبية العظمى من هذه الديون هي لمشاريع الكهرباء ومصانع التكرير والبتروكيماويات. ويوضح البحث أن بقاء أسعار النفط مرتفعة، وعلى رغم ان 49 بليون دولار من القروض هو رقم قياسي، خصوصاً مقارنة بپ39 بليون دولار اقتُرضت عام 2006، فالتحدي الآن هو المنحى الجديد في أسواق المال العالمية وتقلص حجم القروض المتوافرة، وعدم استعداد المؤسسات المالية الكبرى لتوفير القروض بالسهولة ذاتها كما في السابق، والسبب في ذلك تداعيات أزمة الائتمان العقاري الأميركي. * كاتب متخصص في شؤون الطاقة