لا شك في أن جماعة"الإخوان المسلمين"تخوض الانتخابات في شكل جديد سياسياً ودعائياً من خلال بعض الوسائل المبتكرة، بداية من اللافتات، مروراً برسائل الجوال، وصولاً إلى الإنترنت. واختتمت دعاياتها بشعار الجماعة الجذاب ذي الفاعلية السياسية العظمى:"الإسلام هو الحل". غير إننا نتوقف هنا أمام بعض القضايا الخلافية والجدلية التي ترتبط مباشرة بغموض الشعار وعموميته، ذلك أنه قد يثير الالتباس حين يصنف على أنه مجرد استثمار ديني وتحايل سياسي فحسب. أولا: هل يمثل الشعار دعوة للدولة الدينية؟ هناك من يؤكد أن مصر دولة إسلامية بالفعل، وبالتالي لا ينقصها سوى رفع الشعار، فيما يرى آخرون، وهم الأصوب في ظني، أن رفع الشعار وتبنيه ونشره هو بداية صبغ الدولة المصرية بما يمهد لتحويلها تدريجا دولة دينية على غرار تجارب بعض الدول المجاورة. وفي ظني أن كون الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع يؤكد أن الإسلام هو جزء من المرجعية الشرعية للنظام السياسي كله. وعلى رغم أن الشعار، كما يطرحه"الإخوان"، يعني إن الإسلام يقدم حلولا متكاملة لكل مشاكل الحياة المصرية كافة، فإن الحل الإسلامي سيكون واحداً من بدائل عدة لحل المشاكل، ما يطرح إشكالية مفادها: هل سيصنف الاختلاف بين الحل الإسلامي والحلول الأخرى على المستوى الديني أم السياسي؟ وهل يمكن أن نطلق عليه في هذا السياق"الإسلام السياسي"أم غير ذلك؟ وهل يمكن أن يترتب على تطبيق هذا الشعار قيام أحزاب الدينية، سواء كانت إسلامية أو مسيحية، كما طالب بعضهم أخيراً؟ سيؤدي هذا الطرح الديني في شكل مباشر إلى دخول نفق الطائفية البغيض، وما يتبعه من توترات لا يعرف أحد مداها بين أبناء الوطن الواحد، إضافة إلى كونه أمراً يتعارض مع الدستور المصري المواثيق والمعاهدات الدولية التي تنبذ أي تفرقة بين البشر على أساس ديني. ثانيا: كيف ستطبق الشريعة؟ إن ما يشغل المواطن القبطي هو أن يعرف ما هي"الشريعة"المترتبة على اعتماد"الإسلام هو الحل"مبدأ للدولة، فهو يتذكر للوهلة الأولى الأنماط المتباينة للحكم في أفغانستان وباكستان وإيران والجزائر، كما يريد أن يعرف موقعه من تطبيق هذه الشريعة، فأي إسلام هو الحل: هل هو حسب منهج حسن البنا أم سيد قطب أم أسامة بن لادن؟ وفي هذا الصدد، أعتقد أننا نواجه مأزق العلاقة بين الدين والدولة على المستويين الفقهي والدستوري. فالدستور المصري يتضمن المادة التي تنص على أن"الإسلام دين الدولة، وكذلك مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع"وهي المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها عام 1980. وهذا لا يعني أن إصدار أي تشريع من غير مبادئ الشريعة يجعله تشريعاً غير دستوري لأن"المصدر الرئيس"ليس معناه المصدر الذي يبطل ما عداه. ونعتقد، كما يذهب بعضهم، بأن النص كان من الممكن أن يخدم الغرض منه في صورة أوضح، إذا طالب بأن تُستلهم في التشريعات مبادئ الشريعة الإسلامية وقيمها العليا. أضف إلى هذا أن هناك اجتهاداً آخر لجمال البنا - شقيق حسن البنا مؤسس جماعة"الإخوان"- يرى أن"الأمة غير الدولة، فالأمة وضع لجماعة من البشر تضمهم رابطة الدين أو الدم أو الجنس أو العنصر أو ما إلى ذلك. أما الدولة، فهي نظام سياسي وإداري قد يضم أمة أو أمماً أو بعض أمة، فالأمة العربية تتفرق في دول شتى، والدولة الروسية تضم أمماً متعددة". ثالثاً: إن"المواطنة"في هذا السياق كمصطلح أو كمفهوم في أدبيات الحركة الإسلامية تُشير عند الكثيرين إلى المواطنة المكتسبة، وهو ما يُمكن أن يؤدي إلى انتقاص في الحقوق لأن المواطنة ببساطة ستكون على الطرف النقيض من طرح"الإسلام هو الحل". إن الاجتهاد الديني تجاه غير المسلم في مصر لا يزال مضطرباً وغير ثابت، لأنه لم يتجاوز - في كثير من الأحيان - فكرة إعادة إنتاج الخطاب الإسلامي التقليدي، اللهم إلا في طرح بعض المفاهيم الحديثة في الشكل بعيداً من الواقع العملي. أضف إلى هذا أن البرنامج أو الخطاب السياسي ليس هو المعيار الأهم لقياس مدى ديموقراطية أي حزب أو تنظيم أو جماعة، لأن مثل هذه النوعية من الخطابات تحمل قدراً كبيراً من التكتيك للإيحاء بانطباع يُراد له الترويج، وقد يتضمن ما لا يؤمن به أصحابه أو يحجب ما لا يُراد الإفصاح عنه. وبالتالي، يكون المعيار الحقيقي لاختبار مفردات أي برنامج أو خطاب سياسي هو مدى تطبيقه في الحياة العامة. ونموذج ذلك ما طرحه بعضهم بأن على الأقلية أي الأقباط أن تخضع لحكم الغالبية أي المسلمين إعمالاً للديموقراطية منطق فاسد يُرسخ مفهوم الأقلية لتبرير المشروعية السياسية لحكم الغالبية حتى ولو كانت ديكتاتورية أو مستبدة، كما أنه تصنيف عنصري يحمل بذور الطائفية في طياته، على اعتبار أن التصنيف على أساس عددي تصنيف غير دقيق. نعود ونتحدث عن أن"الإسلام هو الحل"، ما يذكرنا بما قاله سيد قطب قبل ذلك عن أهل الكتاب في كتابيه"مقومات التصور الإسلامي"و"في ظلال القرآن"، حين أكد أنهم ليست لهم أي حقوق سياسية، وإنما لهم بعض الحقوق المدنية، أهمها التحاكم في أحوالهم الشخصية إلى شريعتهم، وكفالة أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، والتمتع بالضمان الاجتماعي عند العجز والفقر كالمسلمين سواء بسواء. ويُمتعهم الإسلام من حيث المعاملة بالمشاركة الاجتماعية. وفي مقابل ذلك،"فعليهم أداء الجزية والانصياع للنظام الإسلامي العام، وأن يتخذوا موقفاً سلبياً من صراع العقائد، فلا يفتنوا من يختار منهم الإسلام، ولا يدعو المسلمين إلى اعتناق دينهم، ولا يطعنوا في الإسلام". وفوق ذلك جميعه، يحذر سيد قطب المسلم من أن يشعر - مجرد الشعور - برابط وولاء أو تناصر معهم، وهكذا تسقط فكرة المواطنة بأكملها. بقي أن نذكر بأنه إذا كان هناك مؤيدون كثر لشعار"الإسلام هو الحل"، فإن هناك فريقًا آخر له رأي مغاير فيه. وفي هذه الحال: هل سيجد نفسه ضمن قائمة أعداء الله والدين على اعتبار اختزال هذا الاختلاف في كونه رفضاً للحل الإسلامي، وليس رفضاً لأحد المرشحين الذي نختلف معه. وما نرفضه هنا هو ما سيترتب على ما سبق من الخلط بين شخص المرشح وبين الدين، كما إن توظيف المشاعر الدينية والضغط النفسي على الناخبين يمكن أن ينتج عنه تمزيق لأواصر وحدة الوطن وتعريض أمنه الاجتماعي لخطر كبير. وبعد، نتفق مع ما ذكره الشيخ يوسف القرضاوي من قبل حينما قال: إن الحرية هي الحل لنهضة الأمة العربية. كاتب مصري.