تشهد مقاطعة كيبك في كندا منذ مطلع العام الدراسي الحالي يبدأ عادة في آخر شهر آب/ أغسطس تحركاً طالبياً هادئاً، هو الأول من نوعه لجهة اتساعه وشموله مختلف الروابط والاتحادات الجامعية والثانوية وتوجهه الوطني وطابعه السلمي خلافاً للانتفاضة الشبابية التي حدثت عام 2000 تظاهرات صاخبة ومواجهات حامية اعتبرت في حينها الأعنف في الشمال الاميركي . فعلى خلفية وصول الحزب الليبرالي الكيبكي الى الحكم في الدورة الانتخابية الماضية، يبدو ان زعيمه ورئيس الحكومة الحالية جان شاريه، لا يحظى بثقة قطاع عريض من الطلاب علاوة على ممانعته اشراكهم بملف الشباب الذي تجرى حوله اليوم سجالات واسعة في الأوساط التربوية والحزبية والسياسية لكونه يتضمن العديد من القضايا التعليمية والثقافية والاجتماعية والوطنية التي يعتبرونها من اهم "قضايا الساعة" في المجتمع الكيبكي، والتي كانت وما تزال محور تحركاتهم الهادفة الى صوغ "عقد شبابي جديد" يواكب تطورات القرن ال21 ويتفاعل مع تحديات كل مظاهر العولمة. وما يأخذه الطلاب على رئيس الحكومة الكيبكية تهربه "غير المبرر" من الاجتماع بزعمائهم ورفضه الدعوة للقائهم خلافاً لما كان يجرى في مناسبات مماثلة من لقاءات مثمرة مع المسؤولين الحكوميين والحزبيين. وفي هذا الصدد يقول بيار اندريه بوشار، رئيس اتحاد الطلبة الجامعيين في كيبك، "ان جميع الحكومات التي تنتمي الى هذا الحزب او ذاك، كانت على مدى عشرين عاماً تحاور الطلاب وتعمل بالتنسيق والتشاور معهم وتستمع الى أرائهم وتناقش قضاياهم المطلبية وتأخذ بالكثير منها". ويضيف مخاطباً رئيس الوزراء بلهجة لا تخلو من التهديد: "انك لن تستطيع ان تحكم بمعزل عن الشباب او ان تتجاهلهم او من دون ان تصغي الى ما يودون قوله". وفي محاولة لامتصاص نقمة الشباب اكدت الناطقة بلسان بوشار ماري كلود شامبو ان الرئيس يعكف حالياً على وضع برنامج عمل هو بمثابة استراتيجية تربوية شاملة. ومن جهته كشف جاك ثيوري الناطق باسم الاتحادات الجامعية ان زعماء الطلاب أعدوا، بالتشاور مع ممثلين عن احزاب المعارضة والنقابات العمالية وهيئات ثقافية وفكرية وتربوية، ما اعتبروه اول "مانيفست" لتحركهم يتضمن العناوين الرئيسة الآتية: تربوياً: عدم المساس بالمنح والقروض الدراسية حفاظاً على حق الطلاب بمتابعة تعليمهم العلمي والمهني. واعادة النظر بالنظام التربوي لجهة معالجة ظاهرة الرسوب المدرسي التي تتفاقم عاماً بعد عام في المراحل المتوسطة والثانوية منعاً لإرغام الطلاب على التخلي عن الدراسة في سن مبكرة من دون حصولهم على اي شهادات تمكنهم من الانخراط في سوق العمل او تلافياً لأي انحراف قد يقودهم الى الوقوع في شرك الرذيلة والجريمة والمخدرات، ومناقشة ما يسمى "نظام "السيجيب -CEGEP" بروية وعمق كبيرين بما يتلاءم مع المصالح الوطنية والاقتصادية والعلمية في البلاد. ويشار الى أن هذا النظام اي المرحلة ما قبل الجامعية بقسميها العلميسنتان والمهني ثلاث سنوات والتي تنفرد به كيبك عن غيرها من الانظمة التعليمية العالمية الأخرى منذ العام 1964، يستأثر باهتمام الرأي العام الكيبكي وتجرى حوله سجالات واسعة في الأوساط التربوية، علماً ان بعضها يميل الى الاستغناء عنه ودمج المرحلتين الثانوية والجامعية وجعلهما مرحلة تعليمية واحدة على غرار ما هو سائد في الولاياتالمتحدة الاميركية. اقتصادياً: اعتماد سياسة ضريبية عادلة ومستقرة علماً ان الشباب يعارضون مبدأ خفض الضرائب مع ان المواطن الكيبكي يتحمل عبئاً ضريبياً هو الأعلى في كندا والشمال الاميركي بغية الحفاظ على تمويل مشروعات التنمية والصحة والأنشطة الثقافية والرياضية والترفيهية وتأمين الموارد اللازمة لتغطية نفقات القطاع العام. العمل والهجرة: انتهاج سياسة اجتماعية مرنة تأخذ في الاعتبار الحد من البطالة لا سيما في صفوف الخريجين من المعاهد والجامعات بمن فيهم "الأقليات المنظورة" التي ترواح نسبة البطالة في اوساطها بين 12 و17 في المئة، كذلك الحد من هجرة الأدمغة في اتجاه الجارة الاميركية او ما يسمونها "الطرد الجامعي من الشمال الى الشمال" واعتماد استراتيجية ديموغرافية طويلة الأمد ترتكز على تشجيع زيادة النسل من جهة وعلى استقطاب المهاجرين الجدد من جهة ثانية تلافياً للعجز المزمن في ميزان كيبك السكاني. الشفافية: تأكيد التزام مبدأ الشفافية في كل ما يتعلق بمصالح الشأن العام خصوصاً بعدما تزايدت فضائح الفساد المالية في اوساط الكثير من كبار المسؤولين في الدولة. الضمان الصحي: إعادة النظر بالنظام الصحي القائم لجهة تفعيله وتدارك الخلل الحاصل في مستوى خدماته لا سيما في اقسام الطوارئ وتحسين اجور الموظفين وتغطية العجز في الكوادر الطبية والمخبرية. واللافت ان تحرك الطلاب اقتصر على الاتحادات والروابط الجامعية والأندية الشبابية حرصاً منهم على ابقائه بعيداً من أي صبغة سياسية أو حزبية قد تتخذها الحكومة ذريعة لارباكهم وإفشال تحركهم، وهذا ما يضفي على هذا التحرك صدقية مطلبية وبعداً وطنياً يحاكي مصالح وحاجات الشريحة العظمى من الكيبكيين. في اختصار، يبدو ان الشباب الكيبكيين يتمتعون بدرجة عالية من الوعي والنضج الوطني ويجهرون بأفكارهم وآرائهم وبما ينتابهم من هواجس وطموحات، ويمارسون اقصى درجات الحرية والديموقراطية في التعبير عن حقهم في المشاركة بالقرارات.