"لست نادمة، لكن في قلبي حزناً وتساؤلاً: ماذا سيحلّ بي بعد؟". بهذه العبارة اختتمت الممثلة رينيه ديك لقاءها مع "الحياة". وكلامها هذا هو في الواقع لسان حال كل فنان لبناني يعيش اليوم الظروف المأسوية نفسها التي تعيشها في ظل تدهور الأوضاع الفنية وغياب أي دعم من جانب الدولة. غصة قلب وشوق وحنين الى زمن عاشته رينيه ديك بكل جنونه وتحدياته فحلمت به طويلاً وحاربت وحوربت، كاسرة كل الحواجز، غير عابئة بما سيخلفه ذلك من أضرار، "فالعمر كان في أوله"، تقول رينيه وتضيف: "حلم اعتلاء خشبة المسرح كان يستحق أن أحارب من أجله كل من يقف في طريقي: عائلتي ومجتمعي. الأمل يومها كان كبيراً... أما اليوم فلا شيء". إن توقفت عن العمل... أربعون سنة من العمل الفني، عشرات الأعمال المسرحية إضافة الى بعض المشاركات في السينما والتلفزيون. كل هذا لم يوفر لها شيخوخة لائقة أو حياة نعيمة. "ان توقفت اليوم عن العمل أموت من الجوع. علماً أن من هم في عمري، لا بدّ لهم من أن يتقاعدوا، لكن هل من خيار آخر؟". من هنا أقبل كل ما يعرض عليّ، ففي عمري لقمة العيش تستحق أن أضحي من أجلها، قول مؤلم يصوّر راهن المشهد الفني في لبنان بكل بشاعته وقبحه. واقع تغيب فيه الى حدّ بعيد الأعمال الفنية الكبيرة على كل المستويات: مسرح، سينما، تلفزيون. ويغيب معها عن الأنظار نجوم هجروا حياتهم المطمئنة في السابق ليدخلوا عالماً مجهولاً بأحلام كبيرة جعلتها الأيام أكثر واقعية. رينيه ديك أبرز الوجوه الفنية المتمردة والثائرة على مجتمعها في حقبة الستينات من القرن الماضي، هي اليوم تعيش مع بداية الألفية الجديدة صدمة الحقيقة المرة وتحاول أن تتعايش مع فكرة اللامفر من الرضوخ لبعض الشروط الخارجة عنها، فتقبل ما هو متوافر حباً بالعيش مستقلة، حرة. هي التي منذ صباها خالفت كل الأعراف والتقاليد فهجرت بيت أبيها رغبة منها في الاستقلالية وتبعت حدسها الذي قادها الى بيروت حيث بدأت الرحلة: "في ذلك الوقت كان من الصعب أن أنضم الى الأجواء الثقافية والفنية، إذ كنت غريبة عنها في شكل كبير. وكان على الأبناء أن يحققوا طموحات أهلهم على عكس ما قمت به حين انسقت وراء خياراتي الشخصية مسببة انفصالاً في ما بيننا". رحلة العمر من جونيه، تلك المدينة الهادئة في حينه الى صخب بيروت وحيويتها انتقلت رينيه ديك لتبدأ مسيرة فنية غنية على خشبة المسرح الذي يبقى الى اليوم، أكثر الأمور متعة في نظرها: "في المسرح حققت ما لا أستطيع تحقيقه على أرض الواقع، إذ استمد قوة تغيب عني في الحقيقة فأشعر بأنني مأخوذة من نفسي وكأني شخص آخر". إعلان في الجريدة غيّر مجرى حياتها وعرّفها بمنير أبو دبس أحد أعلام المسرح في لبنان يومذاك، والذي شيئاً فشيئاً سيقود خطاها ويركزها في عالم الفن. وها هي اليوم وبعد سنوات طويلة على ذلك اللقاء تقول: "أهم محطة في حياتي هي فترة لقائي بمنير أبو دبس وانضمامي الى معهد التمثيل الحديث". والحال ان رينيه ديك كانت أحد أعضاء الدفعة الثانية من الطلاب التي ضمّت كلاً من: مادونا غازي، نبيه أبو الحسن، رضى خوري، جوزيف بونصار، منى جبارة، ميلاد داوود، منير معاصري وغيرهم. وتضيف رينيه: "وهكذا واظبت على دروس المسرح في محترف أبو دبس الذي كان يطلق عليه اسم "مدرسة المسرح الحديث" التابعة لإدارة "لجنة مهرجانات بعلبك الدولية" وأنا في الثامنة عشرة من عمري، مدركة تماماً ما ينتظرني في مكان يختار فيه أبو دبس ممثلين لعمله المسرحي السنوي. فكانت البداية عام 1963 في مسرحية "الذباب"، حيث لعبت دورين، الأول تمثيلياً والآخر راقصاً، فنجحت فيهما وأصبحت عضواً في الفرقة، الى جانب استكمالي التعليم في المدرسة". وهكذا كرّت السبحة فشاركت في مسرحية "الإزميل" التي كانت أول مسرحية لبنانية تقدم في اطار فعاليات مهرجانات بعلبك، لعبت فيها دور البطولة الى جانب ميشال نبعة ورضى خوري ونبيل معماري وجسّدت فيها دور المرأة المدينية التي أراد الشاب القروي الاقطاعي الزواج منها. أما القصة فكانت مقتبسة من "عطيل" شكسبير وتدور حبكتها على تعلق الأم بابنها تعلقاً مجنوناً كأنه حبيبها. كما شاركت رينيه ديك في "الملك يموت" و"علماء الفيزياء" لمنير أبو دبس اللتين عرضتا في الكثير من العواصم العربية، و"روميلوس الكبير" لدورنمات، من اخراج شكيب خوري الى جانب نضال الأشقر. ثم كانت الرحلة الى تونسفباريس لأعود بعدها الى لبنان مع بداية الحرب. حلم السفر أما مشوارها الى العاصمة الفرنسية فسيبقى دوماً محفوراً في نفسها بذكريات جميلة لن تنساها أبداً: "لطالما كنت أحلم بالسفر الى فرنسا، وعندما لم تسنح لي الفرصة قبلت الذهاب الى تونس كونها قريبة من مدينة أحلامي. وفي تونس عشت ما يقارب الخمس سنوات. شاركت في أعمال كثيرة وتعلمت الكثير إلا أن هدفي بقي باريس، الى أن جاء اليوم الذي تحقق فيه حلمي هذا. سافرت الى فرنسا وتعلمت هناك على يد كبار الأساتذة، الأمر الذي صقل موهبتي وزادني معرفة بأصول الفن والمسرح. ولعلّ هذه المحطة هي التي أغنتني على صعيد الأداء وصولاً الى الاحتراف". وتضيف: "من باريس عدت الى بيروت لأكمل مسيرة بدأتها في هذه المدينة بالذات فكان أن أبصرت النور أعمال كثيرة منها "الخادمتان" للكاتب الفرنسي جان جينه، هذه المسرحية كنت شاركت فيها في تونس و"استقتلت" لأشارك فيها من جديد عندما عرضت في بيروت على خشبة "مسرح بيروت" عام 1994، فكان لي ما أريد إذ جسّدت دور السيدة الى جانب رندة الأسمر وجوليا قصار، أما الإخراج فكان طبعاً يحمل توقيع جواد الأسدي. كذلك شاركت في مسرحية "منمنمات جزائرية" و"ليالي حروبية" وذهبت في جولة مع الفرنسيين الى بلدهم لنعرضها هناك وجسّدت فيها دور ذاكرة العالم". وإذا كانت رينيه ديك ذاكرة العالم في "ليالي حروبية"، فالأرجح أن هذه الذاكرة هي التي تحميها اليوم في وجه انعدام الأدوار المسرحية. من هنا كان توجهها الى التلفزيون على رغم أنها لا تزال محسوبة على المسرح كما تقول: "جماعة التلفزيون لطالما كانوا يشكلون حلفاً في ما بينهم في وجه أي غزو يأتي من خارجهم. علماً أن منير أبو دبس كان ينبهنا الى خطورة الدخول الى هذا العالم. فالعمل المسرحي في رأيه أقدس وأكثر رقياً، أما التلفزيون فتقوده أهداف تجارية بحتة. وما يمكنني قوله اليوم بعد مشاركاتي الكبيرة عبر الشاشة الصغيرة ان الحاجز الذي يفصل في ما بيننا قد كسر، فالحاجة الى العمل فرضت عليّ خوض هذه التجربة التي بدأتها في شكل خجول في الماضي". وبالفعل تابعنا رينيه ديك في أدوار ثانوية في عدد من المسلسلات المحلية، آخرها "مرتي وأنا" الذي قد تشارك في جزئه الثالث، أما آخر أعمالها في السينما ففيلم "طيارة من ورق" للمخرجة رندا الشهال. وهي حالياً تدرس امكان مشاركتها في فيلم آخر يحمل توقيع المخرجة نفسها، ليكون ثالث تعاون بينهما بعد "متحضرات" و"طيارة من ورق". وفي النهاية تقول رينيه ديك: "السينما والمسرح هما أجمل ما قمت به في حياتي، واللذة التي يولدانها لا تعادلها أية لذة على الإطلاق".