يعود غونتر غراس في روايته الجديدة الى حقبة حرجة في التاريخ الألماني: الحرب العالمية الثانية. ينطلق من حدث واقعي غرق سفينة سنة 4519 ليبني انطلاقاً من هذا الحدث تاريخاً مرتبكاً ما زال أثره واضحاً حتى اللحظة. هنا قراءة في العمل وردود الفعل النقدية: متى تكف ألمانيا عن تحريم العودة لمراجعة تاريخها في القرن العشرين؟ هذا السؤال الذي يثيره الكاتب الألماني، صاحب نوبل، غونتر غراس، يجيب عليه في روايته الصادرة أخيراً "مشي السرطان" Im Krebsgang: "هذا يجب ألا ينتهي. هذا يجب ألا ينتهي". وفي هذه الرواية 216 صفحة يروي غراس، بين الخيال والحقيقة، قصة العقوبة التي وقعت على الألمان ذاتهم في الحرب العالمية الثانية. الرواية التي أثنت عليها فور صدورها الأوساط السياسية الرسمية، والتي نالت استحسان ومديح شيوخ النقد الألماني، تعالج واقعة تاريخية متمثلة بحادثة غرق الباخرة الألمانية ويلهيلم غوستلوف، بعد تعرضها للإصابة بثلاثة طوربيدات روسية، في 30 كانون الثاني يناير 1945وكانت تقل على متنها ما يقارب 9 آلاف راكب من المشردين الألمان الهاربين من تقدم زحف جيوش الاتحاد السوفياتي إلى بروسياالشرقية تضم الجزء الأكبر من أراضي بولندا اليوم، نصفهم تقريباً أطفال، إضافة إلى ما يقارب ألف جندي من قوات البحرية الألمانية. رواية غراس الجديدة، صغيرة الحجم على عكس رواياته السابقة الضخمة وهي عمل تاريخي أولاً يعيد النقاش التاريخي والوثائقي، من جديد، من جانب أديب، عُرف بتدخله في العديد من المناسبات السياسية، ودفاعه عن المهمشين والأجانب، ومحاولته البقاء مخلصاً لذلك السلوك الذي ارتبط ذات يوم بسلوك أدباء اليسار. وقراءة بسيطة للمقالات النقدية التي كُتبت عن روايته في الأسابيع المنصرمة، تظهر أن الجفاء الذي عاناه غراس في السنوات الأخيرة، تغير بسرعة بعد نشر هذه الرواية، وبعد هذا العمر الطويل، إذ يحتفل بعيد ميلاده الخامس والسبعين، لأنه قرر أخيراً الحديث في روايته عن العذابات التي فرضتها الحرب العالمية الثانية على الألمان ذاتهم، الموضوع الذي كان يُرفض مجرد التطرق اليه، لأن غراس كان يعتبره ضريبة دفعها الألمان نتيجة تبنيهم الأيديولوجية النازية ودعمهم لكل ما أراده زعيمهم هتلر. ربما لذلك السبب يُمكن تفسير السؤال الذي يطرحه غراس في بداية الرواية "لماذا الآن؟"، بأنه سؤال يطرحه على نفسه، أكثر مما يقصد طرحه على الجمهور، لأن الناس تتحدث بهذا الموضوع منذ سنوات، خصوصاً جمهور أحزاب اليمين الألمانية. ليس من الغريب إذاً، أنها عقدة الذنب التي تلاحقه وهو في هذا السن الكبير، هي التي تحمله على تكرار الإجابة التي تقترب أكثر من التعليق، بل من الكليشيه، ليس في الكتاب ذاته فقط، إنما في كل تقديماته الصحافية للكتاب". وعلى رغم ذلك، بحسب ما كتبه غراس أيضاً، أن التراجيديا كانت معلقة تنتظر أن يرويها أحد: أكثر من عشرة ملايين ألماني من الإمبراطورية المنهارة، من مناطق بروسياالشرقية، كان عليهم الهروب من زحف الجيش الأحمر الروسي، أو أولئك الملايين الذين كان عليهم أن يعانوا القصف المركز لجيوش الحلفاء، أو المدن الألمانية التي كان عليها أن تتهدم تحت مطر القنابل وقذائف المدفعية، أو الباخرة فيلهيلم غوستلوف، التي كان عليها أن تغرق في بحر البلطيق، في مياه متجمدة، بعد وقت قصير من الانتهاء من إذاعة خطاب لأدولف هتلر، يبلغ فيه مواطنيه "المخلصين" ببشائر النصر القادم! غراس يقترب من موضوعه، الذي أطلق عليه "مشي السرطان" وهو المولع بالعناوين الرمزية!، مرة بصورة عمودية وأخرى بطريقة متعرجة طريقة "مشي السرطان"، ليروي قصة ثلاثة أجيال في القرن العشرين. الراوي الذي يتحدث بضمير المتكلم، باول بوكريفكه، يعمل صحافياً، وُلد في ليلة غرق الباخرة ويلهيلم غوستلوف، وعند مكان وقوع الحادث ذاته، بعد دقائق قليلة من نجاة أمه تيلا الشخصية ذاتها التي نعرفها في أعمال أخرى لغراس من الغرق في مياه بحر البلطيق المتجمدة. وبمساعدة العجوز المرادف لغونتر غراس ذاته، يتنازل باول في النهاية راضخاً لطلبات تولا التي تلح عليه لرواية ما حدث آنذاك، وخصوصاً عندما يكتشف أن ابنه ذاته، المدعو كوني ينشر آراءه النازية ويمجد "البطل" العسكري النازي ويلهيلم غوستلوف. قصة الشخصيات الثلاث هؤلاء "المتخيلة" المكتوبة وفق مخطط وثائقي - عقلاني، تتكامل متطابقة مع الشخصيات التاريخية "الحقيقية" الثلاث المعروفة، التي شكلت خلفية لشخصيات الكاتب: الكسندر مارينيسكو، قائد الغواصة الروسية التي أصابت طوربيداتها الثلاثة الباخرة الألمانية وأغرقتها، والذي يُعتبر حتى اليوم بطلاً في روسيا" ويلهيلم غوستلوف، القائد النازي الذي عمد أسمه الرحلة البحرية، ودافيد فرانكفورتير، الطالب اليهودي الذي قام في العام 1936 في سويسرا باغتيال القائد النازي غوستلوف، لكي ينتقم بهذه الطريقة من شخص اعتبره رمزاً لكل الجرائم التي ارتكبها الحزب القومي الاشتراكي الألماني النازي. الطالب فرانكفورتير يتحول في الكتاب إلى شاب آخر، اسمه دافيد ستريمبلين، ويورط نفسه في البداية في نقاشات ساخنة مع ابن الراوي في الانترنيت، تقوده إلى حتفه عندما يلتقي بالابن النازي، الذي يطلق عليه النار بعد احتدام الشجار بينهما. بهذه الطريقة يغلق غراس الدائرة موحياً بإشارات لها علاقة بزماننا الحاضر. "الرجوع إلى الوراء الماضي، ثم السير يميناً وشمالاً الحاضر، من أجل التقدم بحذر إلى الأمام، مثلما يمشي السرطان"، يدعي غراس، شارحاً عنوان روايته الذي لا يحتاج الشرح. غراس الذي ليس هناك ما يغيظه أكثر من نعته بالوقوف إلى جانب معسكر اليمين، يحاول تبرير الكتابة في هذا الموضوع. انها أيضاً، معضلة الكاتب عموماً، وليس غراس وحده، عندما يختار موضوعاً "حقيقياً" لروايته، وتزداد المعضلة عندما تكون طريقة المعالجة مباشرة وسطحية وساذجة! ومهما ادعى غراس اختلافه في معالجته الموضوع، فإن المنظمات اليمينية الناطقة باسم المهاجرين الذين "يُطلقون على أنفسهم المطرودين!" من بروسياالشرقية، والذين يطالبون الحكومة البولندية والحكومة التشيكية بتعويضات ضخمة، صفقت للكتاب، ومثلها فعل "بابا" النقد الألماني، العجوز مارسيل رايخ راينيكي، الذي يأتي هو الآخر مثل غراس من مدينة دانتسيغ البولندية أول عمل يصدر بعد رواية "طبل الصفيح" يمدحه الناقد المذكور. الأصوات التي ارتفعت تنقد الكتاب، أصوات قليلة، كصوت الناقد الأدبي المعروف أولريش راولف، الذي علق "أن ما يرويه غراس ليس له علاقة بالأدب تماماً"، لأن الرواية، كما يشاطره الرأي نقاد آخرون، تبتعد عما هو متخيل، ولا تأتي بجديد على صعيد الشخصيات. بالفعل، ربما كان على غراس أن يكتب دراسة عن الموضوع، لأن كتابه الأول هذا بعد حصوله على نوبل، لا يحوي على ما يغري بقراءته، ففيه كل شيء معروف منذ البداية، وبناؤه ضعيف، غارق بالكليشيهات، وأسلوبه لا يليق بكاتب حصل على نوبل. ولكن هذا موضوع آخر! الباخرة ويلهيلم غوستلوف كانت هذه إحدى البواخر التي ضمها أسطول البواخر الذي أُطلق عليهFreude الترجمة الحرفية لها: سعادة، وكان بمثابة الأسطول الاحتياطي لرحلات الاستجمام التي يقوم بها المتنفذون من رجال الحزب القومي الاشتراكي النازي. الباخرة التي تتسع فقط ل1460 راكباً، أبحرت قبل الحرب العالمية الثانية، في 44 مناسبة برحلات سياحية عبر بحر البلطيق والبحر الأبيض المتوسط. ولم تشترك، قبل غرقها، إلا في عملية عسكرية واحدة، عندما نقلت قوات من الجيش الألماني إلى أسبانيا، ضمن العملية العسكرية لسلاح الجو الألماني، التي أُطلق عليها، قوات الكوندور الصقر، والتي بقصفها لمواقع الجمهورية الإسبانية المنتخبة ديموقراطياً، ساعدت في تثبيت حكم الديكتاتور الإسباني فرانكو من ينسى قصف الطائرات الألمانية لمدينة غرنيكا التي خلدها الرسام الأسباني بيكاسو في لوحة تحمل الاسم ذاته. ومثلما يصفها غراس في كتابه، كانت هذه الباخرة من البواخر الفخمة، المميزة. وعند نشوب الحرب العالمية الثانية، ومنذ 1939، تحولت الباخرة ويلهيلم غوستلوف الى مستشفى متنقل للفرق العسكرية. فقط في رحلتها الأخيرة، التي بدأت من ميناء غوتينهافن اليوم غدينيا في بولندا عادت إلى وظيفتها الأصلية تنقل المسافرين: آلاف الهاربين وجنود من قوات البحرية الألمانية صعدوا إليها، ليحتلوا كل سنتمتر من الباخرة. لذلك، ولأنها كانت خاضعة لسلطة قوات البحرية الألمانية، مثلما كانت مسلحة، لم تدخل حادثة غرقها، ضمن جرائم الحرب. في تلك الليلة، ليلة غرقها، نجا 1200 شخص فقط من تسعة آلاف راكب كانوا على متنها.