القائد الذي ألهمنا وأعاد لنا الثقة بأنفسنا    النفط يقفز 3%    البرلمان الألماني يبحث الأربعاء تفشي الحمى القلاعية في البلاد    قوة نمو الوظائف الأمريكية تزيد الشكوك إزاء خفض الفائدة مجددا    أمريكا وبريطانيا توسعان عقوبات كاسحة على صناعة النفط الروسية    البيت الأبيض: بايدن سيوجّه خطابا وداعيا إلى الأمة الأربعاء    الإعاقة.. في عيون الوطن    ابعد عن الشر وغني له    أمين الطائف هدفنا بالأمانة الانتقال بالمشاركة المجتمعية للاحترافية    فريق جامعة الملك عبدالعزيز يتوّج بلقب بطولة كرة السلة للجامعات    "لوريل ريفر"، "سييرا ليون"، و"رومانتيك واريور" مرشحون لشرف الفوز بلقب السباق الأغلى في العالم    العروبة يتعاقد مع العراقي عدنان حمد لقيادة الفريق فنيّاً    هاو لم يفقد الأمل في بقاء دوبرافكا مع نيوكاسل    مهاجم الأهلي: قدمنا مباراة كبيرة واستحقينا الفوز على الشباب    رئيس مصر: بلادنا تعاني من حالة فقر مائي    ما بين الجمال والأذية.. العدار تزهر بألوانها الوردية    ضبط يمني في مكة لترويجه (11,968) قرصًا خاضعًا لتنظيم التداول الطبي    «الغذاء والدواء» تحذّر من منتج لحم بقري لتلوثه ببكتيريا اللستيريا    «سلمان للإغاثة» يوزّع 2.910 من السلال الغذائية والحقائب الصحية في حلب    لاعب الشباب يغيب عن مواجهة الأهلي لأسباب عائلية    بالشرقية .. جمعية الذوق العام تنظم مسيرة "اسلم وسلّم"    مجموعة stc تمكّن المكفوفين من عيش أجواء كرة القدم خلال بطولة كأس السوبر الإسباني    ملتقى الشعر السادس بجازان يختتم فعالياته ب 3 أمسيات شعرية    «حرس الحدود» بعسير ينقذ طفلاً من الغرق أثناء ممارسة السباحة    الشيخ طلال خواجي يحتفل بزواج ابن أخيه النقيب عز    عبرت عن صدمتها.. حرائق كاليفورنيا تحطم قلب باريس هيلتون    أنشيلوتي يبدي إعجابه بالجماهير.. ومدرب مايوركا يعترف: واجهنا فريقًا كبيرًا    جوزيف عون يرسم خارطة سياسية جديدة للبنان    مزايا جديدة للمستوردين والمصدرين في "المشغل الاقتصادي السعودي المعتمد"    خطيب المسجد النبوي: تجنبوا الأحاديث الموضوعة والبدع المتعلقة بشهر رجب    "الزكاة والضريبة والجمارك" تُحبط محاولتي تهريب أكثر من 6 كيلوجرام من "الشبو"    لإنهاء حرب أوكرانيا.. ترمب يكشف عن لقاء قريب مع بوتين    فن الكسل محاربة التقاليع وتذوق سائر الفنون    «عباقرة التوحد»..    محافظ الطائف يستأنف جولاته ل«السيل والعطيف» ويطّلع على «التنموي والميقات»    «سلام» يُخرّج الدفعة السابعة لتأهيل القيادات الشابة للتواصل العالمي    الصداع مؤشر لحالات مرضية متعددة    5 طرق سهلة لحرق دهون البطن في الشتاء    ماذا بعد دورة الخليج؟    الحمار في السياسة والرياضة؟!    وزارة الثقافة تُطلق مسابقة «عدسة وحرفة»    كُن مرشدَ نفسك    سوريا بعد الحرب: سبع خطوات نحو السلام والاستقرار    أسرار الجهاز الهضمي    المقدس البشري    الرياض تستضيف الاجتماع الوزاري الدولي الرابع للوزراء المعنيين بشؤون التعدين    جانب مظلم للعمل الرقمي يربط الموظف بعمله باستمرار    الألعاب الشعبية.. تراث بنكهة الألفة والترفيه    أفضل الوجبات الصحية في 2025    مركز إكثار وصون النمر العربي في العُلا يحصل على اعتماد دولي    مغادرة الطائرة الإغاثية السعودية ال8 لمساعدة الشعب السوري    إطلاق كائنات مهددة بالانقراض في محمية الإمام تركي بن عبدالله    نائب أمير تبوك يطلع على مؤشرات أداء الخدمات الصحية    أمير القصيم يتسلم التقرير الختامي لفعالية "أطايب الرس"    ولي العهد عنوان المجد    أمير المدينة يرعى المسابقة القرآنية    عناية الدولة السعودية واهتمامها بالكِتاب والسُّنَّة    مجموعة (لمسة وفاء) تزور بدر العباسي للإطمئنان عليه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مهرجان فينيسيا يعرض فيلمه الاخير . سينما كيتانو : عنف الذات والطفولة ... خلاص بعيد
نشر في الحياة يوم 25 - 08 - 2000

الى الدورة السابعة والخمسين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، يتوجه المخرج الياباني تاكيشي كيتانو بفيلمه الجديد "الأخ" وهو التاسع له مذ حقق الاول في العام 1989.
"الاخ" انتاج ياباني - بريطاني - اميركي مشترك يقدم قصة ياباني تاكيشي من منظمة "ياكوزا" الريف الياباني للمافيا يطأ ارض الولايات المتحدة بحثاً عن فريق من القتلة يستأجرهم ويعود بهم. وهو موضوع ليس غريباً عما اخرجه كيتانو الى اليوم، علماً انه، ككل مخرج جيد يعمد الى سينما التشويق الجنائي، يجد في النوع الاطار الذي يبث فيه الملامح الادق لابطاله وعالمه. عالم كيتانو، بذلك، هو عالم من الموت والاحلام المجهضة، من العنف الذي يدلف الى حياة المرء من دون تمهيد، والملاذ الموجود في الطفولة المتسربة بين الاصابع. ابطاله، كما سنرى، اطفال في اجساد كبيرة. رجال تؤرقهم رحلة العودة الى الماضي وما ان ينجحوا في ذلك حتى تجلبهم الحياة الى واقعها ويطبق الحاضر عليهم من جديد.
ليست المرة الاولى يعرض لكيتانو فيلم في المهرجان الايطالي - الدولي الاول تاريخياً بين المهرجانات اذ امر به بنيتو موسيليني عام 1932، ففي العام 1997 عرض المهرجان فيلمه الجيد "هانا باي" الذي انتزع الجائزة الكبرى "الاسد الذهبي" من كل منافسيه في واحدة من افضل دوراته. لكن اشتراك تاكيشي كيتانو هذه المرة في فينيسيا يأتي خارج المسابقة الى جانب اعمال لمارتن سكورسيزي، ووودي ألن وكلود شابرول والاسباني فرناندو ترويبا والاميركي غس فان سانت. اما المسابقة فتخلو من فيلم ياباني لكنها لا تفتقر، كما الحال مع "كان" الاخير، الى السينما الآسيوية: "المصارعون" من الهند لبودادب داسغوبتا، "الحلقة" لجعفر باناهي ايران، "دوريان، دوريان" لفروت تشان هونغ كونغ / الصين و"الممر" لكي دوك كيم كوريا الجنوبية. معظم الافلام الاخرى اوروبية في سنة ستغيب هوليوود كما غابت عن "كان" الرسمية، فباستثناء فيلم الافتتاح وهو "رعاة بقر الفضاء" لكلينت اسيتوود فإن الفيلمين الاميركيين المشتركين في المسابقة هما من النوع المستقل: "د.تي والنساء" للسينمائي المخضرم روبرت التمن بطولة رتشارد غير ومجموعة من الوجوه النسائية التي تقدم دائماً افضل ما لديها تحت إدارته و"قبل حلول الظلام" لجوليان شنابل.
اما الوجود الهوليوودي الوحيد ففي إطار "احلام ورؤى"، اذ سيُعرض "الغواصة 571" لجوناثان ماستو و"الخلية" لمخرج يوقع بكلمة واحدة: "ترسم" وفيلم روبرت زميكيس "ما يكمن في الخفاء". الاولان جيدان والثاني والثالث من نوع الرعب. وفي لجنة التحكيم، التي يترأسها الاميركي - التشيكي الاصل ميلوش فورمان، مقعد للكاتب العربي الطاهر بن جلون، وهو العربي الوحيد الحاضر رسمياً في هذه الدورة مع استمرار انحسار الاهتمام العالمي بالانتخابات العربية ويأسها من ان تجد فيها ما يلبي حاجاتها الى فيلم جيد ضمن اسلوب جديد وصنف انتاج ذي مواصفات عالمية.
عامل مصعد فممثل
وفي جانب واحد من جوانب كثيرة تحيط بسينما كيتانو، يستطيع المرء ان يرى ان تجربة هذا المخرج، الذي ولد ايضاً في إطار من السينما التجارية الطاغية، كان يمكن ان تكون فاعلاً مؤسساً لتجربة مماثلة في مصر او غيرها من الدول العربية المنتجة. لدينا سينمائي لم يدرس السينما، ولا حلم بصنع اكبر فيلم في التاريخ، ولا قرر ان "المحلية هي الطريق الى العالمية". تسلح فقط برغبته في ان يكون مخرجاً وممثلاً ومونتيراً، وفي رسم صور مرئية لما يجول في باله. ولد كيتانو في طوكيو في 18-1-1947 إبناً لرسام لكن ميوله الفنية لم تتضح الا بعد سنوات عدة كان تلميذاً ماهراً في السباحة والبايسبول، وحين دخل الكلية منتصف الستينات بدا كما لو انه سيتخرج مهندساً ميكانيكياً ناجحاً. لكنه اخذ يبتعد عن اجواء الدراسة، وحين وجد عملاً كنادل في مقهى في مقابل ما يوازي فرنكاً فرنسياً واحداً في الساعة قبل به من دون تذمر. وكانت بداية سلسلة من الاعمال اليدوية غير المستقرة، فهو اشتغل بائعاً في محل كبير ونادلاً في حانة ليلية وسائق تاكسي وعامل بناء. احد اسباب كثرة هذه الاعمال هي انه لم يكن يأبه كثيراً للاستمرار فيها. وكان يشرب خلال العمل حتى حين كان سائق سيارة اجرة. لكن احد هذه الاعمال هو الذي قاده الى الفن.
ذات مرة، عام 1972، تسلم وظيفة عامل مصعد لملهى عراة ليلي في طوكيو وكان يسترق النظر كلما سنحت له الفرصة على الكوميديين الذين كانوا يظهرون في مقدم الوصلات الاستعراضية اللاحقة. حين كان صغيراً، كان يقوم ببعض الحركات المضحكة للطلاب وكانت هذه خلفيته الوحيدة التي شجعته على ان يطلب من مدير الملهى تبنيه. فطلب منه ان يتمرن، وبعد عامين من المحاولات الصغيرة وجد نفسه على مسرح ذلك الملهى وكان عمره آنذاك 27 سنة.
نجاحه وشريكه ممثل باسم جيرو كانيكو ادى به الى قبول الظهور على التلفزيون الياباني، وسرعان ما ساعد ذلك على انتشارهما وشهرتهما ككوميديين جريئين وغير ملتزمين. ونحن هنا لا نتكلم على نجاح سريع يليه انحدار اسرع، بل على ظاهرة ربما كان كيتانو نفسه غير مستعد لها على هذا النحو بحسب مقالة يابانية ظهرت عنه عام 1993، عندما قدم على شاشة مهرجان "كان" فيلمه الرائع "سوناتين" فإن عدد البرامج التي كان الثنائي كيتانو وكانيكو يظهران فيها بلغ 45 في الاسبوع. وضع كيتانو عام 1982 مذكراته في كتاب الاول من عشرات الكتب المختلفة التي الفها الى الآن، وجعلها ايضاً عماداً لكوميدياته، كاشفاً ميله الى الاستناد الى تاريخه الشخصي، كمصدر للمادة التي يتولى سردها. هذا الميل الذي شمل لاحقاً معظم افلامه.
يناءً على شهرته، طلبته السينما اليابانية ممثلاً فظهر في بضعة اعمال عابرة منها قبل ان يشترك عام 1983 في فيلم ناغيزا اوشيما المعروف "ميلاد سعيد، مستر لورنس" الذي كان آخر عمل قدمه الى السينما قبل ان يعود هذا العام بفيلمه الجديد "تابو" الذي نجد فيه كيتانو في احد الادوار الرئيسية. لكن "ميلاد سعيد..." هو السبب، باعتراف كيتانو، الذي من اجله قرر الاخير التحول الى الاخراج. بعد 5 سنوات سنحت له الفرصة عندما حقق "احذر، هذا الرجل عنيف" حمل لاحقاً اسم "شرطي عنيف". ومنذ ذلك الفيلم، ثمة ملامح خاصة بسينما كيتانو، شكلاً ومضموناً، تتكرر في مواضيعه ومعالجاته.
"إحذر، هذا الرجل عنيف" يتحدث عن شرطي يتجاوز في محاولته النيل من تاجر مخدرات الحد الذي كان يجب ان يتوقف عنده، وفي وقت نجد هذا الخط متوافراً في الكثير من الافلام البوليسية، فان ما يحسب لكيتانو سعيه الى تجسيد تفاصيل العالم الذي يعيش في باله. هذا ليس فيلماً بوليسياً فقط، بل فيلم بوليسي ذاتي، وذاتيته تنطلق من قرار كيتانو، ومنذ فيلمه الاول ذاك، اداء شخصياته الاساسية. انه صانع الحلوى، وآكلها معاً الى جانب توليفه كل افلامه الى اليوم. فبينما يريد ان يقدم تصويراً للعالم العنيف الذي يجذبه الى الحياة الداكنة للصراع بين الخير والشر، يقصد اساساً ان يحدثك عن بطله الذي هو ضمن هذا الصراع.
في خضم ذلك الصراع ايضاً تتجاذب الجميع عوامل الحياة والموت. على عكس افلام الصيني جون والتي تتخذ من الصراع مناسبة لتابلوهات رياضية راقصة آخرها "المهمة: مستحيلة 2"، يرسم كيتانو عالمه - الذي لا يقل عنفاً - بالوان اقل وبضجيج اقل كثيراً. وهو، منذ ذلك الفيلم، فهم ان الصمت خير معبر عما يريد قوله، فإذا بشخصياته كلها تتكلم قليلاً، وهو نفسه اقل المتكلمين ولو ان هذه ليست ميزة تخص افالم كيتانو وحده بل تجدها في مختلف الافلام البوليسية الجيدة الفرنسية والاميركية وعند "فارس المدينة" لمحمد خان مع اختلاف النوع السينمائي لذلك الفيلم. ايضاً من تلك الملامح التي نقلها الى الشاشة باكراً، وجود طرف قريب للبطل يعاني عجزاً واضحاً، ومن اجله يجتاز بطله رحلة في المجالين الفيزيائي "سوناتين" و"كيكوجيرو" والذاتي في معظم اعماله.
مثلاً في "إحذر..." نجد للبطل شقيقة مقعدة، وفي "هانا - باي" او "العاب نارية" - 1997 نراه شرطياً لديه زوجة مصابة بالسرطان ووضعها يفرض عليه رحلة اخرى: هذه المرة تشبه الرحلة التي عمد اليها المخرج الياباني الراحل ياسوجيرو اوزو في فيلم "قصة طوكيو" 1957 او رحلة "يوريكا" لاووياما شنجي 2000 من حيث المساحة الكبيرة التي شملتها رحلة كل من هذين الفيلمين. "نقطة الغليان" عام 1999 كانت ثاني افلامه عن فريق بايسبول ياباني يجد نفسه في مواجهة عصابة وبعده اخرج فيلماً رقيقاً لم يمثل فيه هو "مشهد على البحر" عن اصمّين يشتركان في مباراة رياضية بحرية، ويمنح صمتهما المخرج فرصة اخرى للتعبير العميق عن شعورهما حيال المحيط.
هو والبحر
واحد من افضل افلام كيتانو فيلمه الرابع "سوناتين"، من بطولته كأحد رجال عصابة تنتمي الى احدى عائلتين متناحرتين على النفوذ. بعد بداية احداث تقع في ذلك العالم السفلي غير الخفي كثيراً، من حياة الجريمة، ينطلق كيتانو ببطله الى البحر. هذا هو اللجوء الثاني الى البحر من بعد "مشهد على البحر"، وفي كليهما يؤدي البحر دوراً مهماً في القراءة الخلفية للاحداث. اذ ان بطلي "مشهد على البحر" يتجهان اليه تحدياً لعجزهما، كامتداد روحي لهما، وينكفئان عنه في ما بعد لانه اكبر من ان يُغلب او يُقهر. كيتانو، في دور رجل العصابات الشرس الذي لا يتوانى عن القتل من دون تفكير، يذهب الى البحر ليتجرع منه قبساً من حياة الطفولة. في مشاهد متلاحقة نراه يتحول ولداً صغيراً بجسد كبير. انه ليس الرجل العنيف المخيف، بل ذلك الذي قد تشغله طائرة ورق او سلحفاة على الشاطئ. البحر يعيد اليه حياة مستعارة من ماضيه، لكنه ايضاً يحد من امعانه في تلك الاستعارة ويعيده الى الواقع. تلك المشاهد التي ينظر فيها كيتانو، ذو الوجه المعبر والخشن، الى الافق، تحمل آلامه العميقة على كفيها. بعدها، يعود الى المواجهة الاخيرة. صراع حياة او موت بينه وبين رئيس العصابة المناوئة يصبح مثل صرخة اخيرة يطلقها بطل الفيلم محتجاً على اختيارات فرضت عليه او حسنات انتزعت منه وتركته الضحية والجلاد معاً.
بعد هذا الفيلم جرب كيتانو، فجأة، النوع الكوميدي بفيلم لم يعرض في الخارج الا نادراً ومن خلال تظاهرات احتفائية عابرة ولم يحقق نجاحاً تجارياً محلياً هو "هل يصل اليك؟". ولكن بعده مباشرة انقطع كيتانو مرتين: الاولى كانت عندما نشرت مجلة يابانية تحقيقاً عنه اعتبره تدخلاً في حياته الشخصية، فدهم بعد ايام مكاتبها مع فريق من الشبان معظمهم من الرياضيين الذين ظهروا في ادوار صغيرة في افلامه السابقة وحطم اثاثها، فحوكم ودين... فلزم بيته ثلاثة اشهر قبل ان يقرر العودة الى الحياة العامة وتجاوز الحادث الذي سبب له ازمة نفسية والثانية، ما ان خرج من تلك الازمة حتى دخل في اخرى كادت تودي بحياته كان يركب دراجته النارية منطلقاً في سرعة عندما اصطدم بسيارة وانقلب مرات. وسواء كان محقاً او مخطئاً في اتباع تعاليم السير، لا يهم، اذ كان مخموراً حينها، ليستمر غيابه مدة اطول امضى جزءاً منه في المستشفى.
فيلم العودة، بعد هذا الابتعاد المثير، واسبابه ويا للغرابة، كان اقل افلامه تماسكاً: "عودة الفتيان". وعلى رغم انه ايضاً انعكاس لشخصية كيتانو ومراجعة لاحداث وقعت معه، من خلال قصة صبيين من المدرسة واوقاتهما الخطرة خارجها محتكين ببوادر عنف العصابات، الا انه لا ينطوي على الحدة التي ميزت افلامه السابقة. قصته المصورة بكاميرا محمولة في معظم الوقت، لا تجتاز المسافة بين الخاص والعام، او بين ما يود هو سرده وما يهم المشاهد استقباله.
تناقض وتلاحم
"سوناتين" و"العاب نارية" فيلمه السابع هما عملاه الناضجان كما لو انه لا يجد ملاذاً للنمو الا بالعودة الى العالم الذي الفه في فيلميه الاولين: عالم التحري الخشن والعصابات والعنف الذي يملأ الفراغ بينهما. لكن الفيلم اذ يدلي بدلوه في سينما العنف يعمد الى تقديم شخصية بطله كيتانو رجلاً يجسد ايضاً الرقة خصوصاً حيال عائلته وعائلة رفيقه الشرطي الذي قضى. هذا ليس تناقضاً عبثياً ولا تلاعباً على الشخصية لتبدو قادرة على فعل نقيضين، بل تبعاً لفلسفة المخرج ورؤيته الى العالم الاقرب اليه.
في حديث الى الناقد الفرنسي ميشال سيمان رئيس تحرير "بوزيتيف"، يقول كيتانو ان العنف واللاعنف مثل عقربي الساعة، كل يكمل الآخر. لكن هناك اكثر من ذلك، عنوان "هانا - باي" هو مفردة يابانية لا تعني "العاباً نارية"، على ما اصطلح على تسمية الفيلم في الغرب، بل "نار - زهور". في الفيلم يجتاز البطل ذلك الخط الذي قطعه بطل "إحذر، شرطي عنيف" فيقدم على السطو المسلح وينطلق وزوجته الآيلة الى الموت، بعيداً من المدينة، نحو الريف وفوق الجبال وعلى شطآن البحر. رحلة طويلة هي امتداد لرحلة بطله في "سوناتين" انما اطول: نقاط اللقاء الاخرى بينهما هي ان الشخصيتين ملتزمتان الصمت. هنا بطل الفيلم صامت وزوجته صامتة، وعليك ان تتمعن ملياً لكي تقرأ ما وراء هذا الصمت من صدى الم وشعور وحدة. وتساعدنا اختيارات كيتانو التقنية على مثل هذا التمعن. هذا الفيلم، اكثر من اي فيلم آخر حققه، يميل الى الكاميرا ذات الحركة المحدودة. هناك الكثير مما يتحرك داخلها، لكنها عالم لا يكاد يتحرك في اي اتجاه.
ايكون كيتانو يتكلم على السجن في تلك المشاهد الساكنة، وحين يصل بطله الى الماء مرة ثالثة بعد "مشهد على البحر" و"سوناتين" لا بد من انه السجن الذي يمنع بطله من الافلات من قدره. يحد حريته فلا يستطيع الابتعاد عن الجريمة التي يواجهها في الآخرين او تلك التي يرتكبها، تحت عذر الآخرين. بذلك تعاني شخصيات كيتانو الرئيسية مشكلة نفسية حقيقية مفادها انها كثيراً ما تجد جمالاً في العنف ووحدة مخيفة في الحياة المفترض بها ان تكون وديعة وجميلة.
حكاية الرجل الصغير
في انقلاب آخر نجده في "كيكوجيرو" وهو اسم ابيه يقدم دراما ذات وضع خاص بالنسبة الى اعماله كلها، ولو انه وضع لا يؤدي الى انفصال الفيلم عما سبقه. صبي صغير من المدينة يود العودة الى بيت امه في الريف، ومهمة ايصاله الى هناك تقع على عاتق رجل يعيش على الحافة. عاطل من العمل، يؤم حافة الجريمة الصغيرة. لا ماض يربطه ولا مستقبل. هذه توليفة تبدو ايضاً بالغة التناقض اذ نتابع الفيلم نجد ان التآلف موجود ضمن التناقض المذكور، والعكس صحيح ايضاً. وهناك مشهد مهم جداً يمكن اعتباره مفتاحاً لهذه اللعبة: كيكوجيرو كيتانو والصبي ماساو يوزوك سيكيغوشي في جزء من الرحلة يصلان الى طريق بعيد. يضع كيكوجيرو خشبة فيها مسامير وسط الطريق. ويجلس مع الصبي على حافة الطريق منتظراً ان تنفجر عجلة اول سيارة تمر بهما. تنحرف السيارة سريعاً وكيكوجيرو والصبي يهربان بعيداً.
لعب اولاد يشي باستعارة اخرى لبطل كيتانو من ماضيه، في وقت يمنح الصبي الذي معه تلك الاستعارة بعداً خاصاً. الرحلة، والفيلم فيلم رحلة اولاً واخيراً، اذ تقع على الارض وفي نحو ساعتين رتيبتين بعض الاحيان، تقع ايضاً في البال، ما يشجع على التعامل مع الصبي على انه كيكوجيرو نفسه. كيكوجيرو بصحبة نفسه صغيراً. والنهاية تبرر مثل هذا التفسير، فالصبي لا يعود الى امه هذه منسحبة من حياته، بل يبقى مع كيكوجيرو. وفي فيلمه الجديد "الاخ" سنرى هذا المخرج - الممثل في اول دور يؤديه خارج الحدود. هل اذ يفعل كيتانو ذلك يعترف بأن كسر الآفاق التي احاطت بابطاله وحدتهم بدنياً وذهنياً، امر يمكن ان ينتج عنه تحرر من عالمه الخاص؟ ام انه سيتولى التأكيد ان بطله الجديد لا يزال يعيش في سجنه، وكل ما في الامر انه وسّع جدرانه لتتاح له زيارة الغرب الاميركي الذي قد لا يقل وحشة عن مثيله في الشرق؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.