انتشر الاسلام في سائر اقطار الأرض في زمن الفتوح المجيدة، كما انتشر أيضاً على يد التجار والمبشرين بعد عصر الفتوح بزمان طويل، حين كان نجم الدولة الاسلامية الى تراجع. فبحلول القرن الرابع عشر الميلادي، برزت امبراطورية ملقا، وكان هذا الوقت، هو العصر الذهبي للقوّة السياسيّة للملايو في شبه جزيرة الملايو، وتزامن هذا مع بداية انتشار الاسلام في جنوب شرقي آسيا. وفي هذا الوقت تحوّل أهل ملقا إلى الدين الحنيف. وكان للاسلام تأثيره الكبير في شبه جزيرة الملايو. وكان احد اهم العوامل التي ساعدت في تكوين الملامح الرئيسيّة للمجتمع الملايوي. ومنذ ذلك التاريخ انتشر الاسلام بسرعة في ماليزيا، وتلقفته النفوس العطشى الى الايمان. وأخذ العصر الملايوي المسلم يغلب على ماليزيا عموماً، فأينما كنت تسير في شوارعها، تجد كيف ترتفع المآذن بكثرة مدهشة، وتسمع فيها أينما تسير نداء "الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن محمداً رسول الله" يتردّد مدوّياً في أوقات الصلوات الخمس، خصوصاً في شهر رمضان المبارك. وتعتبر كوالالمبور العاصمة الماليزية المشهورة، مدينة غير عادية، ذلك اننا حين نتجول فيها لا نرى حضارة واحدة، وإنما نكون في رحاب حضارات عدّة تتباين ثقافاتها وأزياؤها وأطعمتها وفنونها ومعروضاتها. غير أن الأهم من كل ذلك، أننا في أي شارع من شوارع العاصمة أو غيرها من المدن، نجد النساء المسلمات بكثر وهن يرتدين الحجاب الاسلامي. وعند ذلك يشعر الزائر حتماً أنه في مدينة اسلامية الطابع، ولو كانت أراضيها تتشاطأ مع بحر الصين العظيم، ويتوافد اليها الصينيون وغيرهم من امم الارض على شكل هجرات، بصورة دائمة. واذا أردنا ان نسلط بعض الاضواء على المجتمع الماليزي من الجانب الديموغرافي السكاني، فإننا نجد لماليزيا شخصيتها المميزة. فعدد سكانها اليوم يناهز قرابة 18 مليون نسمة. وهم ينقسمون الى عنصرين رئيسيين هما: العنصر الملايوي، ونسبتهم 50 في المئة وهم يمثلون السكان الاصليين في ماليزيا، ويدينون بالاسلام. وهم يتحدثون لغة الباهات او الماليزية. اما العنصر الصيني، فنسبتهم 35 في المئة ويدينون عادة بالبوذيّة والكنفوشيوسية، ويتحدّثون لغات صينية عدة هي الكانتون والماندرين والهوكين. ويليهم العنصر الهندي، ونسبته 10 في المئة ويدينون غالباً بالهندوسيّة. ويتحدهثون بعض اللغات الهندية مثل التاميلية والبنجالية والاردية والهندية. وتتعايش هذه العناصر المختلفة معاً، لكنها لم تنصهر في بوتقة المجتمع الواحد. إذ لا تزال كل مجموعة تحتفظ بثقافتها ولغتها وتقاليدها ودينها. وينخرط الجميع في المشروع العام للدولة 13 ولاية من اجل النهوض بالحياة العلمية والتقنية والاقتصادية بروحيّة عظيمة فيها الكثير من الاندفاع والغيرة على المصالح العليا لماليزيا. رمضان في ماليزيا يستعد الناس لقدوم رمضان ابتداءً من رجب. فشهر الصوم في المجتمع المدني الماليزي، هو شهر التسوّق، حيث يقبل الناس خلاله على شراء حاجاتهم الاستهلاكية المتنوّعة، ولهذا نرى التجار والصنّاع واصحاب المصالح المختلفة يستعدون لتلبية سوق رمضان ويتحضرون له قبل موعده بشهرين على الاقل، من اجل تأمين حاجات الناس الاستهلاكية المختلفة. وعندما يقترب موعد حلول رمضان في ربوع ماليزيا، ترى الناس يسرعون الى تزيين محالهم التجارية وإلى تنظيف مساجدهم وجوامعهم ودورهم وبيوتهم. وترتفع رايات الترحيب بالشهر الكريم فوق اسواق المدن وحول العمائر في الاماكن العامة. وترى الناس ينصبون الرايات الملوّنة ابتهاجاً بقدوم شهر الفرح الذي يختتم بعيد الفطر السعيد. والمسلمون في ماليزيا يحتفلون كثيراً بالزائر الكريم رمضان، يحل في ربوعهم، فيحل معه الخير والبركة. ولذلك نراهم يكثرون من الاقبال على المساجد والجوامع وينقطعون فيها للتعبد وإقامة الفروض الدينيّة وإحياء الشعائر الاسلامية الرمضانية. ويتأثر الدوام الرسمي في البلاد. فيعد له رجال الدولة بما يتلاءم وأوقات الصائمين ومواعيد راحتهم، والوقت الذي يحتاجونه لتأمين وتحضير طعام إفطارهم. ويدخل المسلمون في ماليزيا طيلة شهر رمضان في أجواء العبادة والتهجد. وينقطعون عن كثيرٍ من الاعمال والتجارات، او يخففون م أعبائها عليهم. فشهر رمضان بحد ذاته، بالنسبة اليهم، هو شهر الفضائل والترحم، والحسنة بعشر امثالها. والصوم، للواحد القهار، وهو يجزي به فنعم الجزاء. ومع جو السكينة والروحانية، تغشى المسلمين في ماليزيا، على امتداد ايام رمضان ولياليه، فيجدّ المجدّون ويسهر المصلون، وتحلو التوبة ويحلو الرجوع الى الله، والاستغفار والتوسل اليه تعالى، طمعاً في الرضا، والفوز بالجنة. ويشعر المسلمون الماليزيون، ان رمضان بالنسبة لحياتهم، هو كالواحة الخضراء، يتعجّل كل راغب في النهل من خيراته، وكل طالب للرحمة، وكل متعلق بالأجر الموعود من الله تعالى. أمّا مناسبته، فهي تفوق كل المناسبات. فالبهجة لدى الجميع، والكل يستقبله، والكل يتهيأ من اجله. فهم يغسلون قلوبهم بالتوبة، ويتقرّبون الى الله اكثر في موسم الخيرات. وأحد الوجوه الرائعة، هي صلاة التراويح. فبعد الافطار، يقبل الماليزيون على الجوامع لتأدية صلاة العشاء، والاستماع الى بعض حلقات الوعظ والارشاد. ويبدأون صلاة التراويح. ثم يعودون الى الاستماع لانواع القراءات، وطرق تجويد القرآن الكريم. ويباشرون الادعية الربّانية، ويستغفرون الله كثيراً. فقيام رمضان وليالي رمضان بالنسبة للماليزيين، نبع الرحمة، والغفران. لانهم يرددون دائماً الحديث الشريف في قلوبهم: "إن الله عزّ وجل فرض صيام رمضان، وسنن قيامه. فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً، خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه". وبين صيام ايام رمضان، وقيام لياليه، تمرّ ليالي رمضان في تلك البلاد البعيدة عن مهد الدعوة الاسلامية. وينعم المسلمون بالرضا، وقد شغلوا انفسهم ليلاً ونهاراً بالعبادة، وعطروا السنتهم بذكر الله. ليالي ماليزيا حقاً ان طبيعة الحياة في ماليزيا، خلال شهر رمضان، تطلّب قدراً من الهدوء أثناء النهار. فالملايويون، بطبيعتهم متعبدون، أغيار على الاسلام، متمسكون بدينهم، ويؤدون واجبات الشهر، بكل شغف وفرح وابتهال. ونراهم في فترة الصيام نهاراً لا يقوون على النهوض بكثير من أعباء الحياة ومطالبها. وإنما يفضلون الركون الى الراحة. ومع غروب الشمس تنشط الابدان، وينصرف الناس الى الوفاء بمطالب دين الله كما ذكرنا، وبمتطلبات الحياة اليومية في دنيانا الحاضرة، فتدب الحياة في المدينة، ويهرع كثيرون الى المساجد، حيث يمتدّ بهم المقام حتى صلاة الفجر، في حين يخرج اصحاب الحاجات الى الاسواق لابتياع ما يلزمهم من زاد وطعام. أما شوارع كوالالمبور وغيرها من مدن ماليزيا، فلا تهدأ ليلاً. إذ تفتح الحوانيت والمحال التجارية أبوابها طوال الليل وكذلك جميع المطاعم والمقاهي والمرافق الحيوية. وترى المدينة الماليزية كأنها ليلاً في نهار، وذلك بسبب توفير جميع وسائل الإنارة ووفرتها في شهر رمضان خصوصاً. فتضاء المآذن والقباب والمساجد والطرق العامة والمحال والاسواق، وتتلألأ الزينات والاشرطة والرايات في الاجواء، تعبيراً عن حلول شهر رمضان. ولا يغربن عن بالنا تلك اللافتات الحلوة التي تكتب عليها الآيات والأحاديث الشريفة وبعض الادعية والافكار والعبارات التي تذكر الماليزيين، ان شهر رمضان قد حلّ فعلاً في ربوعهم، وانهم يعيشون بفضله في فرح وحبور. وأنّ الاتقياء، لهم اجرهم وثوابهم ورحمة من ربّ العالمين. الى الحياة البسيطة والاهتمام بالروحانيات، فالملايويون المسلمون الذين ينتظرون قدوم شهر الصوم، ويهيئون انفسهم لاستقباله، ويعتكفون في لياليه وأوقاته للضراعة والابتهال والتقرب الى الله، فإنهم بالمماثل يهتمون جداً بأداء جميع الواجبات الدينية ومن بينها اداء فريضة الحج. وقد كان الملايوي حتى وقت قريب، يبيع ممتلكاته او ينفق كل ما ادخره في حياته في سبيل اداء تلك الفريضة مهما كانت احتياجاته او احتياجات اسرته الى تلك المدخّرات، لدرجة ان بعضهم ممن لا يملك غير البيت الذ ي أويه، كان يبيع بيته من اجل اداء فريضة الحج، من دون ان يفكّر اين سيقيم بعد ذلك. إذ المهم في نظره ان يصبح حاجاً، كما يقول الناس هناك. وفطنت الحكومة الماليزية في الستينات الى اتباع وسيلة لتنظيم هذا الموضوع، بحيث لا يكون تدبير نفقات اداء الحج، هو الشغل الشاغل للمسلمين الملايويين، فقامت الحكومة عام 1962 بإنشاء "هيئة صندوق الحج" واسمها بالماليزية "طابون حاج". وقامت تلك الهيئة بناءً على موافقة شخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت عند زيارته لماليزيا عام 1962. وتقوم هيئة صندوق الحج او "طابون حاج" باستثمار مدخرات المسلمين ودفع الزكاة نيابة عنهم، كما تقوم بمساعدتهم على اداء فريضة الحج، مقابل مدخرات بسيطة يدفعونها ابتداءً من سن الطفولة. وهذه الهيئة ريادية في هذا المجال. فهي المعنية بتنظيم شؤون الحج كافة. وإحدى ميزاتها التي ساعدت على انجاحها هي المركزية التامة في إتمام اجراءات الحج كافة. ولها مساكن لإقامة الحجّاج الماليزيين في مكةوالمدينة وعرفات. وبذلك استطاعت هذه الهيئة طمأنة كل ماليزي مسلم على انه سوف يتمكن من اداء فريضة الحج ما دامت هناك جهة تقوم نيابة عنهم بتمهيد كل السبل التي تمكنه من إتمامها. وبذلك تفرغ الماليزيون المسلمون للقيام بدورهم في عملية التنمية من طريق توجيه مدخراتهم للاستثمار والمشاركة الايجابية الفاعلة في النهضة الصناعية التي تشهدها ماليزيا جنباً الى جنب مع الماليزيين الصينيين وغيرهم. معالم حياتية اسلامية وفي شوارع كوالالمبور تبرز معالم الحياة الاسلامية بكل وضوح، فالزي الرسمي للنساء الماليزيات هو "الباجو كوروم" والمكون من جونلة طويلة عليها معطف طويل من القطن المطبوع. وثوب الحرير الصيني المعروف، والساري الهندي بأنواعه كافة، إضافة الى الأزياء والاسلاميّة المعروفة. وعندما يزور المرء مدينة كوالالمبور، خصوصاً في رمضان، لا بدّ انه يحفل بالنزهات الجميلة والمسرات البريئة البديعة والمشتريات الجيدة الصنع والرخيصة السعر، التي تظهر في الاسواق بمناسبة حلول الشهر الكريم. وانت ترى الناس هناك يقصدون منطقة رائعة الحسن تسمى حدائق البحيرة، بحيرة "تاسك بردانا" وهي بحيرة صناعية ضخمة بدأ إعدادها منذ نهاية القرن الماضي في وسط 92 هكتاراً من الحدائق. ومن اهم المعالم التي تشدّ الانتباه في كوالالمبور، خصوصاً في رمضان، الزينات التي تعلو محطة سكك الحديد. وهو مبنى عريق، مطلي باللون الأبيض، وهو على الطراز الاسلامي الذي يتميز بالاقواس والمنابر التي تعلوها القباب. كذلك يكثر عدد المساجد التي يتجلى فيها جمال التصميم والفخامة والعظمة، الى جانب الزينات الرمضانية. واول مسجد، هو المسجد القومي، او مسجد "نيجار" الذي صممت القبة فيه على شكل نجمة لها 18 قمة تشير الى اركان الاسلام الخمسة والولايات الثلاث عشرة التي تتكون منها ماليزيا. وتزين هذا المبنى النافورات والاحواض، ويضم المكتبة، إضافة الى اماكن الصلاة والمئذنة التي ترتفع 73 متراً. وهناك مسجد آخر، انشئ بعيد الاستقلال ويعرف بمسجد "أبي التنمية" لانه وضع فيه اول خطة للتنمية في ماليزيا. المهرجانات الشعبية وطوال الشهر، تبدو كوالالمبور تتلألأ كالدرة، مزيّنة بالانوار الكهربائية الملونة المعلقة على المنازل والمصالح الحكومية وكل الابنية الدينية الاسلامية، احتفالاً بالمناسبة العزيزة على قلوبهم جميعاً وتظهر الاحتفالات والكرنفالات في مدن ماليزيا. فما أحلى الرقصات الشعبية والعروض الثقافية التي تقام كل ليلة في فنادق كوالالمبور مع تناول وجبات الفطور، حيث العشاء الراقص. إذ تقدم الفرق الفنية معه عروضاً من الرقص التعبيري الذي يمثل قصصاً وحكايات، يظهر فيها الراقصون وهم يرتدون الملابس المحتشمة المزركشة من صنع البلاد، إضافة الى الحلي الملونة. ويتزينون بالقلائد والأقراط المصنوعة من المعادن الرخيصة كالنحاس والصفيح محلاة ب"الخرز" و"الترتر"، ويؤدون رقصاتهم الراقية المستوى، الرائعة الفن، من دون ابتذال أو إثارة، بحركات فنية دقيقة. ويظهر من خلال نوافذ الفنادق والبيوت، مبنى السلطان عبدالصمد. وهو بناء أقيم بين اعوام 1894 و1897. ويتميز بأقواسه المنحوتة، وقبابه البصلية الشكل، وبرج الساعة الذي يصل ارتفاعه الى 41 متراً. وفي هذا المبنى التاريخي الشهير، توجد المحكمة العليا للبلاد. ومن العادات اللافتة في ماليزيا خصوصاً في شهر رمضان، ارتفاع الوظيفة الاحتفالية باستخدام الطبول، الى مرتبة الفن الرفيع، ولا غرو، ففي مدينة "كوتابهارو" عاصمة ولاية "كيلانتان" الماليزية يقام كل عام مهرجان سنوي للطبول يفاخر بتاريخ يمتدّ الى اكثر من ثلاثمئة عام، لم ينقطع المهرجان خلاله أبداً. والمقر الحقيقي ل"ريبانا أوبي" او الطبول، هي القرى المجاورة للمدينة او "الكامبونج" كما يسمونها. والطبول هناك هي ملكية جماعية للقرية. أما عمدة القرية فلديه اكبر المخازن التي يمكن للقرية ان تودع طبولها فيها. وفرقة الطبالين في رمضان، تتألف من 12 شخصاً، يتولّى كل اثنين منهم امر طبلة واحدة، حيث تشارك كل قرية في مهرجان العيد بستة طبول. واللافت ان زنة الطبل الواحد تزيد على 100 كلغ ويبلغ قطره اكثر من متر كامل. وطبل كيلانتان في حد ذاته عمل فني بديع. وقبل بدء قرع الطبول يحرص الجميع على أداء الصلاة في مسجد القرية، ثم يقوم اعضاء الفرقة بالترتيبات اللازمة. ويستمر المهرجان الحافل حتى منتصف الليل. وفي فجر اليوم التالي وبعد اداء الصلاة، تبخر الطبول بمجامر خاصة، وتزين وتزخرف ظناً بأهميتها التكريمية مع حلول عيد الفطر السعيد. * استاذ في الجامعة اللبنانية.