بدأ برونو جعارة الاخراج باكراً، وهو اليوم أحد اكثر المخرجين في جيله حضوراً وانتاجاً. لم يغب الهم الفني عن اعمال برونو جعارة يوماً وتميّزت هذه الاعمال بتنوعها وشمولها. ثم انه صاحب تجربة فرنكوفونية غنية، فهو قدم مسرحيات عدة في هذا المجال. وها هو يعود بعد غياب ويلتقي الممثل الكوميدي بيار شمعون في مسرحية "غط الحمام... طار الحمام". واذا كان شمعون محور أحداث المسرحية فإن الديكور هو المحور الثاني اذا جاز التعبير، المحور الذي يتمم ويكمل مفارقات واحداث المسرحية. فخشبة العمل يجب ان تكون متحركة مطواعة لخدمة المواقف وترابطها. وقد نجح ايلي سابا في الديكور الذي صممه وجاء لافتاً. هنا لقاء مع المخرج حول عمله الجديد. الى المسرح الاكاديمي ومسرح الاطفال، اخترت نوعاً من المسرح الكوميدي الشعبي تعود اليه بين حين وآخر. ما هي الأسباب؟ - اعتبر أن المخرج ليس متخصصاً في نوع واحد من المسرح، واسأل هنا: لماذا لا يكون المخرج كالقارئ المثقّف الذي يطالع كل انواع الكتب والمجلات والمطبوعات؟ لذلك كل ما يقع تحت يدي من أعمال اقتنع بها واحبّها فأنا مستعد لتنفيذها ومشاركة الآخرين فيها. وهذا النوع من الكوميديا الذي يجمع انواعاً عدة من الاشكال المشهدية هو نوع خطر ويحتاج أولاً الى ايقاع سريع جداً، وثانياً فهو لا يعتمد كثيراً على سيكولوجيا الشخصية الاّ في حدود ضيّقة لا تتعدّى الأربعين في المئة. ثمّ أن الشخصيات في هذا النوع من الاعمال تعتمد اكثر على الحدس وميكانيكية الفعل وردّ الفعل، وسرعة البديهة لدى الممثل، وعصب الممثل وحضوره الدائم وجهوزيته وخفّته. لك تجارب متتالية اتخذت طابعاً ثقافياً نصاً وتمثيلاً. كيف تقوّم هذه التجربة؟ - في رأيي أن التشكيل في الانماط او الانواع المسرحية التي يقدمها المخرج، كل هذا يغني صاحبها خصوصاً اذا اقترن عمله بالبحث الجدّي. ومن جهة أخرى نمط المسرح الكوميدي يختلف عن مسرح الاطفال. ونمط المسرح الفرنسي يختلف عن نمط المسرح الملبنن او المقتبس. فثمة عقلية تختلف بين مشاهد هذا النوع من المسرح وذاك. فإنك مع المسرح الفرنسي مثلاً تخلق جمهوراً مختلفاً عن جمهور المسرح الملبنن، وانت هنا تربح جمهوراً جديداً اضافياً تستقدمه الى المسرح. دعنا نسمّي بعض المسرحيات ليكون الشرح واضحاً. مثلاً "المغنّية الصلعاء" ليونيسكو قدّمت بالعربية وهي مسرحية عبثيّة نمطها يختلف كلياً عن مسرحيّة "عمتي نجيبة" لمروان نجّار وهي كوميديّة شعبيّة. أو مسرحية "من قطف زهرة الخريف" لريمون جبارة قدّمت بالفرنسية وهي من النوع الواقعي المأسوي او الكوميديا السوداء، وتختلف في نوعها عن مسرحية "كفّك بكفّي" لجيزال هاشم زرد وهي مسرحية للأطفال... انت مميّز بحضور موسمي دائم على عكس الكثير من الفنانين. هل يعني التراكم شيئاً. - لست مميّزاً إطلاقاً إلاّ في عدم تقوقعي في المنزل او المقهى ربّما. إنني اسعى دائماً وابحث عن عمل اقوم به. ابحث عن نص عن مسرح عن منتج ولا أبقى ساكناً انتظر الفرج. وأظنني الآن في العمر المناسب لهذا السعي وهذا "الركض". والأزمة - اذا وجدت - لا تحلّ بالسلبية بل بالتحدي والتحرك والمحاولة. كيف تُقوّم تجربتك المسرحية عموماً في اتصالها بالجمهور؟ - المعدل الادنى لعرض اي مسرحية من مسرحياتي كان في حدود ستة أشهر تقريباً. في عملي الجديد هذا "غطّ الحمام... طار الحمام" وهو عملي الشعبي الخامس، أظن انني حققت حضوراً شعبياً كافياً. أما اكاديمياً فمن الضروري ان نعرف اولاً الى من يتوجّه العمل. وبالتالي فلن تصاب بالصدمة على شباك التذاكر، لأن الاعمال الاكاديمية جمهورها محدود خصوصاً اذا كانت باللغة الفرنسيّة. ولكن هناك مسرحيات فرنسيّة او اجنبية عموماً تُستقدم الى لبنان ويحضرها جمهور عريض وباسعار بطاقات خيالية. فما سبب ذلك؟ - السبب في رأيي واحد وواضح جداً وهو ان من يحضرها يستطيع ان يجيب عن سؤال اصدقائه "اين سهرتم البارحة؟" فيقول "في مسرحية كذا"... اي انها مسألة وجاهة و"سنوبيسم". وقلّة هي الفئة التي تحضر هذه الاعمال بدافع الرغبة او الفضول الثقافيين... المهم ان الاعمال الاكاديمية تستهويني وغالباً ما تعطيني مردوداً معنوياً وفرصة للاشتراك في مهرجانات عالمية لا أتوقّعها عادة. في عودة الى المسرحية الجديدة "غطّ الحمام... طار الحمام" كيف تعاملت اليوم مع الممثل بيار شمعون وهل وجدت فيه من خلال هذا العمل امكانات كوميدية جديدة وأبرزتها؟ - تجمعني مع بيار خبرة طويلة من خلال خمس مسرحيات كوميدية اشتغلناها معاً. من هنا تفاهمنا الكلي على النصوص أولاً. من جهة أخرى أصبحت أفهم اسلوب بيار في العمل ونمطه. ثم ان كل ممثل كوميدي له طريقته وشخصيته، من شابلن الى لويس دوفونيس الى شوشو، قد يستطيع كل من هؤلاء ان يطوع اداءه كل مرّة وفقاً للشخصية وللموقف. ولكنني اشك بعد ترسخ التجربة في ان يستمر الممثل في تغيير شخصيته ونمط أدائه. مثلاً شوشو ذهبنا اليه في المسرح وأضحكنا. بينما أتى هو الينا في "المشوار الطويل" التلفزيوني الدرامي وأبكانا وهذه جرأة الممثل وقدرته الفذة. الاقتباس المسرحي ماذا عن النص؟ - نص مقتبس عن مسرحية "بوينغ بوينغ" للكاتب الفرنسي مارك كاموليتّي كتبها مطلع الستينات وهي لا تزال تعرض على اكثر من مسرح في فرنسا كما عرضت في عدد كبير من البلدان الاوروبية والاميركية. هذا النص لا يعتمد على ال"فارْس" ولا على مواقف تنقذ الممثل بل على امكانات الممثل وادائه بلا منازع. بمعنى آخر هذا العمل يعتمد بنسبة خمسين في المئة على حبكة النص والاخراج وبنسبة خمسين في المئة على اداء الممثل في عفويته واحترافيته وخفته. بعض النصوص "ترفع" الممثل، بينما هذا النص يحتاج الى ممثل قدير ليترجم تفاصيله ومواقفه. والعصب الكوميدي في هذا النص يقع على عاتق الممثل. من هنا اعتمدت على قراءات مطوّلة لهذا النص حيث أمضيت 15 يوماً مع الممثلين حول طاولة مستديرة نقرأ النص ونشرّحه ونحاول قدر المستطاع ان نجعلهم يعون دقائقه وتفاصيله وذلك قبل ان تبدأ التمارين على الخشبة. هل يكفي بيار شمعون وحده كنجم لاعطاء المسرحية حقّها؟ - بما ان النص كما قلنا ليس حجماً كوميدياً واحداً بل تفاصيل دقيقة منها نستشفّ المواقف الكوميدية، لذلك فإنّ لكلّ ممثل دوره في هذه اللعبة وهي لا تعتمد على نجم واحد. من هنا كان اختيارنا للمجموعة بعد اختيار عدد كبير من الممثلات والممثلين وهم من خريجي معهد الفنون أو طلاب فيه. ثم ان النص يحتم وجود ممثّلين شباب... ماذا عن الامكانات التي توافرت لانتاج هذه المسرحية والتقنيات المعتمدة؟ - لقاؤنا مع شركة "رؤى للانتاج" بدأ باقتناعها بالنص، فتحمّست لانتاجه. وكل ما حلمت به وطلبته توافر بأدق التفاصيل. خصوصاً ان المسرحية هي من أجواء الستينات وقصدنا ان تبقى في هذه الاجواء. من هنا كان البحث دقيقاً في مجالات الديكور والملابس تصميم ايلي سابا والماكياج وتصفيف الشعر والموسيقى كمال سيقلي والرقص فادي مجدلاني لتحقيق هذا الهدف. "رؤى للانتاج" سهلت كلّ هذا. وسيستعيد جيل ما في هذه المسرحية اجواء شبابه وأيّامه الحلوة مع ما كان يسود زمن الستينات من حلاوة وشباب وحياة رائعة. وهذه المسرحية "غطّ الحمام... طار الحمام" هي تحيّة متواضعة مني لذلك الزمن الذي أحبّه حقاً.