هل حاول القارئ يوماً أن يقرأ جريدة أو مجلة كلها؟ كلنا قارئ، غير أن سؤالي سببه انني وجدت نفسي في الطائرة، وأمامي رحلة ثماني ساعات، وليس معي غير جرائد الأحد الانكليزية، فقرأتها كلها، لا الأخبار السياسية، كالعادة، ومعها بعض الأخبار الثقافية والتحقيقات والرياضة. وهكذا فقد علمت أن في الولاياتالمتحدة 250 مليون قطعة سلاح في أيدي الناس. وربما كان القارئ يذكر أن طالبين، هما اريك هاريس وديلان كليبولد قتلا في 20 نيسان ابريل الماضي 12 من زملائهما واستاذاً في مدرسة كولومباين ثم قتلا نفسيهما. في أول أيار مايو نظمت جمعية السلاح الأميركية مؤتمرها السنوي في دنفر القريبة من مكان المجزرة، وقال رئيس الجمعية الممثل تشارلتون هستون رداً على دعوات ترخيص السلاح ان الذين يتخلون عن حريتهم لشراء القليل من الأمن لا يستحقون الأمن أو الحرية. وهكذا فحمل السلاح حرية على الطريقة الأميركية. هل يعرف القارئ ما هو الاقتراح المضاد لترخيص السلاح الذي طلعت به جمعية هستون؟ هي اقترحت تسليح الأساتذة. الموضوع السابق كنت سأقرأه حتى لو لم أجد نفسي أسير طائرة، غير انني أصرّ بعد ذلك أن أشارك القارئ ما بت أعرف عن جيرالدين هالويل، وشهرتها جيري، فهي كانت من فرقة "سبايس غيرلز"، وانسحبت لتغني وحدها. هي ولدت في السادس من آب اغسطس 1972 لوالد انكليزي وأم اسبانية. وفي الثامنة عشرة اصيبت بسرطان الثدي، إلا أنه لم يكن خبيثاً. وهي صديقة المغني جورج مايكل وصديقة صديقه، وستصدر لها قريباً اسطوانة بعنوان "سكيزوفونيك". وقرأت ما لا أقرأ في غير طائرة عن السير انطوني هارو، هل سمع به القارئ؟ يبدو أنه مشهور، فهو نحات وصفه تحقيق بأنه خليفة هنري مور، وقد فاز بجائزة بينالي باريس سنة 1958، إلا أن صور التماثيل المرفقة بالموضوع كانت عبارة عن حديد خردة، وهو فن لا يحيق به خيالي. هل يريد القارئ مزيداً؟ قرأت عن لاجئي كوسوفو الذين خسروا كل شيء، بيوتهم، ممتلكاتهم، أسباب معيشتهم، ثم قيض لهم الله تعالى اسماي لوقا الذي يصورهم مجاناً ويطبع صورهم على بطاقات هوية خضراء. ماذا يفعل لاجئ من كوسوفو ببطاقة هوية خضراء؟ يأكلها أو يركبها عائداً إلى قريته المدمرة؟ المقال لا يشرح هذه النقطة، فأكملت بغيره، وربما بنقيضه، فقد كان هناك تحقيق عن دوناتيلا فرساتشي، من دار الأزياء الايطالية المشهورة، وانطوني أوبنهايمر، رئيس شركة دي بير للألماس، فهما أقاما معاً حفلة أزياء ومجوهرات في لندن، ذهب ريعها إلى أبحاث علاج السرطان. أما الدكتور هوغو دي غاريس فلا أقول عنه شيئاً خشية ان يأخذني إلى المحكمة، فهو زعم أنه يستطيع بناء عقل في مختبرات يعمل فيها قرب كيوتو في اليابان، وأنه يستطيع بعد ذلك أن يعمل جسماً لهذا العقل. ولا احتاج أن أسأل رأي علماء الدين في هذا الكلام، وأنا مثلهم ضده اطلاقاً. على نطاق أهون كثيراً كنت لا افتح جريدة أو مجلة ملونة مرفقة بها، إلاّ وأرى صور عارضات أزياء فاتنات. ومثل هذه الأمور لا يهمني البتة، ولكن تابعت الأزياء بدقة نيابة عن القارئ، واستطيع أن أقول إن ثياب البحر للموسم القادم تغلب عليها الألوان الزاهية، وأنها مختصرة. وأكمل بشيء يستحق القراءة، حتى خارج رحلة جوية، فقد قرأت تصريحاً لخوان سامارانش، رئيس اللجنة الأولمبية الدولية، قال فيه: وعدنا بتنظيف المنزل وفعلنا. وعدنا بالاصلاح وفعلنا. وعدنا بألعاب أولمبية موحدة وفعلنا. هو يقول هذا. غير ان الذاكرة عادت بي إلى ستة أعضاء طردوا من اللجنة وكانوا يمثلون مالي والسودان وتشيلي والكونغو وساموا والاكوادور، وهؤلاء إما فقراء، أو من بلد فقير، عوقبوا على فقرهم، ولم يعاقب الذين رشوهم. واختتم بموضوع مثير فعلاً كتبته ايلينا لابين، هو: في سنة 1995 نشر كتاب من تأليف بنيامين دنيلوكوميرسكي عن محرقة اليهود بعنوان "نتف ذكريات طفولة 1939-1948" عن تجربته يتيماً في معسكرات الاعتقال النازية في بولندا. ونال الكتاب جوائز، وترجم إلى عدة لغات، وأصبح مؤلفه محاضراً في فظائع النازية. غير أن صحافياً سويسرياً يهودياً اكتشف ان المؤلف هو في الواقع سويسري اسمه برونو غروسجمان، تبناه صغيراً دكتور سويسري ثري هو كورت دوسكر وزوجته مارتا. ووجد الصحافي شهادة ميلاد المؤلف، وتاريخ حياة أمه، بل وجد أن له عماً لا يزال على قيد الحياة. ورفض دنيلوكوميرسكي مقارنة الجينات مع عمه المزعوم، ولا يزال يصرّ على قصته، رغم الأدلة القاطعة التي تثبت مولده السويسري. أغرب ما في القصة انه لا يزال هناك من يصدقه. مع أن ثمة عدداً كافياً من ضحايا النازية ما لا يحتاج معه اليهود إلى قصة ملفقة من رجل ربما كان مريضاً. وصلت الطائرة بعد ثماني ساعات فعدت إلى القراءة الانتقائية.