سياتل الولاياتالمتحدة - أ ف ب - اجواء التظاهرات التي قام بها قرابة ستة آلاف من الشبان الاميركيين في سياتل طوال الثلاثاء تعبيراً عن رفضهم لتوجهات منظمة التجارة العالمية التي تعقد دورتها الوزارية الثالثة في هذه المدينة الاميركية اعادت الى اذهان الاميركيين التحرك العمالي العارم الذي شهده الاميركيون اضافة الى "التاريخ النضالي" لمدينة سياتل نفسها والتظاهرات المناهضة لحرب فييتنام في الستينات. والى جانب الشعارات التي تشدد على صحة البيئة، كالسلاحف والفراشات والدلافين التي "تقول لا لمنظمة التجارة العالمية" برزت شعارات اخرى تهاجم الراسمالية بعنف وتصفها على الطريقة الشيوعية بأنها "تمص دماء الشعوب" و"تقتل كل مظاهر الحياة" وتستهين بكل شيء من "اجل الارباح". أحد النقابيين الذين شاركوا في التظاهرات قال "لم أر شيئا مماثلاً في الولاياتالمتحدة منذ فيتنام"، مشيراً الى ان الاميركيين لم يشهدوا احتجاجات بهذا الاتساع منذ ثلاثة عقود. ونجح المتظاهرون الذين اعتمدوا اسلوب "السلاسل البشرية" في سد المنافذ الى مركز المؤتمرات حيث كان يفترض ان تعقد الجلسة الافتتاحية بحضور وزراء يمثلون 135 دولة واجبروا السلطات الاميركية المنظمة على إلغاء هذه الجلسة. وعلى رغم بعض مظاهر العنف والمواجهات مع قوات الشرطة التي استخدمت القنابل المسيلة للدموع، بدت التظاهرات كأنها كرنفال ملون تفوح منه رائحة الماريجوانا، وبدا المتظاهرون ابعد ما يكون عن العنف ولم تسجل اصابات جدية في اى جانب. ولا يعكس ذلك الاجواء السلمية التي ارادها المتظاهرون فقط وانما يعكس ايضاً تسامحاً واضحاً اتسمت به تحركات الشرطة وسلوك المسؤولين. وكان من الممكن ان تمر التظاهرات دون اى عنف لولا ما قامت به مجموعة من عشرين شخصاً تقريباً راحت تحطم الواجهات الزجاجية للمحلات القريبة. وفي تحرك لافت انصب غضب المتظاهرين على المندوبين الذين كانوا يرتدون ربطات عنق وهاجموا المندوب الالماني بينما كان يحاول تجاوز السلسلة البشرية امام مدخل فندق شيراتون. وسمع الصحافيون المندوب الالماني يقول "هؤلاء الناس لا يعرفون ما يعني التبادل الحر من منافع لجميع الدول النامية". ولم يبرز التحرك العمالي الواضح الا في فترة بعد الظهر عندما انضم الى المتظاهرين عمال المصانع في المنطقة وسائقو الشاحنات. ولم يكن امام المسؤولين الاميركيين من خيار سوى التركيز على الجانب الديموقراطي في التظاهرات التي وصفها عضو مجلس الشيوخ الجمهوري تشارلز غراسلي الذي قال "لا ادري كيف يمكن لاميركا ان تمنع المحتجين الذين يضمن القانون حقهم في التعبير". وقد سعت السلطات الاميركية، التي لم تكن التظاهرات التي وجهت الدعوة اليها قبل اشهر مفاجأة لها، الى توفير ممرات آمنة للمندوبين لكي يصلوا الى "بارامونت ثياتر" حيث كان الافتتاح مقرراً وحيث كانت مادلين اولبرايت ستلقي كلمة اكتفت في ما بعد بتوزيعها على الصحافيين. وقال احد مفتشي الشرطة رداً على سؤال المراسلين لماذا لم تتدخل قوات الامن بفاعلية اكبر "واجبنا ان نوفر الامن للجميع للشرطة كما للمندوبين والمتظاهرين". ولفت احد المؤرخين والتر كراولي من جانبه الى ان لمدينة سياتل حيث مصانع بوينغ وابرز نشاطات مايكروسوفت تاريخاً عريقاً من حيث "حركات الاحتجاج والتعاطف مع التوجهات الاشتراكية ومعاداة الراسمالية". وأشار الى ان المدينة كانت مسرحاً لاول اضراب عام شامل سنة 1919 وانها احتضنت اهم التظاهرات المعادية لحرب فييتنام في الستينات". وحرص المسؤولون الاميركيون من جانبهم على ابداء تفهمهم كما فعل الرئيس بيل كلينتون ووزير التجارة ويليام ديلي فضلاً عن وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت.