منذ بداية الألفية الثالثة، أخذت فرق غنائية مستقلة كثيرة في مصر تشق طريقها سريعاً نحو الانتشار. لم يقتصر انتشار هذه الفرق التي يحلو للبعض وصفها بفرق «الأندرغراوند»، على فئة الشباب وحدها، بل اتسعت شعبيتها لتشمل فئات عمرية مختلفة، معتمدة في البداية على الحفلات التي كانت تقدمها في أماكن عدة. غير أن مواقع التواصل الاجتماعي و»يوتيوب» وغيرها من المنصات الموسيقية والغنائية المنتشرة على الإنترنت، ساهمت بدورها في رواج تلك النماذج الغنائية الجديدة التي تبنى معظمها أنماطاً مغايرة عما هو سائد في عالم الموسيقى والغناء المصري والعربي. مزجت هذه الفرق الموسيقى الشرقية بموسيقى الجاز والروك والهيب هوب وغيرها من أنواع الموسيقى الغربية، وكان لوقع هذا المزج أثره على أسماع الجمهور، إذ بدا خليطاً ناجحاً ومؤثراً، وجذب إليه دعماً متزايداً مِن جماهير متعطشة لمثل هذا النوع من الأداء. وسط هذه الأجواء ظهرت إلى الوجود فرقة «كايروكي» التي يمزج اسمها بين كلمتي كايرو وكاريوكي، وكغيرها من الفرق الأخرى، تبنّت نمطاً مختلفاً على مستويي الموسيقى والكلمات المغناة بالعامية المصرية، وبدا قريباً من اللغة السائدة لدى الناس، خصوصاً الشباب. واستطاعت الفرقة أن تحقق حضوراً لافتاً بين الفرق الأخرى على الساحة، محافظة قدر الإمكان على الأسلوب الذي اتبعته منذ ظهورها عام 2003. بدأت فرقة «كايروكي» بثلاثة أعضاء، ثم انضم إليها اثنان آخران. أجاد أعضاء الفرقة أمير عيد وشريف هواري وتامر هاشم وشريف مصطفى وآدم الألفي، العزف على الغيتار والطبول والأرغن. كما تشاركوا كتابة الأغنيات، وتعاونوا في وضع الألحان والتوزيع. ومثَّل صوت أمير عيد بنبرته المختلفة البعيدة من التطريب التقليدي نقلة نوعية لطبيعة الأغنية التي اعتدنا سماعها. مثَّلت ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011 في مصر نقطة تحول رئيسة في مسيرة الفرقة، فقبل ساعات من عزل الرئيس حسني مبارك تحت ضغط الجماهير، أصدرت الفرقة أغنيتها الأيقونة «صوت الحرية» التي تنافست على إذاعتها القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية المصرية، واعتبرها البعض الأكثر تعبيراً عن الثورة. بعيداً من الأغنيات التي ظهرت على عجل في تلك الآونة لمطربين ذائعي الصيت واتسمت كلماتها بالسطحية، جاءت أغنية «صوت الحرية» أشبه بانعكاس للروح التي كانت سائدة حينئذ. بعد تلك الأغنية، قدمت الفرقة أغنية أخرى حظيت بقبول كبير هي «يالميدان»، ما عزّز انتشار الفرقة. ساهم في نجاح الأغنية الأخيرة تحديداً (خلافاً للكلمات المعبرة والموسيقى الهادئة) مشاركة الفنانة المعتزلة عايدة الأيوبي، وهي فنانة تتمتع بمقدار ملحوظ من الصدق والحضور، وكذلك التصوير الذي اعتمد على مشاهد حقيقية في ميدان التحرير وقت الاعتصام. في العام نفسه أصدرت الفرقة ألبومها الأول «مطلوب زعيم» الذي احتوى على ثماني أغنيات، وفي العام الذي تلاه أصدرت ألبومها الثاني «وأنا قاعد مع نفسي» وضم عشر أغانٍ، وتبعه عام 2014 ألبوم «السكة شمال»، ثم ألبوم «ناس وناس» عام 2016. أصدرت «كايروكي» هذه السنة ألبومها الخامس «نقطة بيضا» ويضم إحدى عشرة أغنية، من بينها «نقطة بيضا» بتوزيعين مختلفين، و»ديناصور»، و»السكة شمال في شمال» و»هدنة» و»الكيف» التي شارك فيها المطرب الشعبي طارق الشيخ. يمثل هذا الألبوم علامة فارقة في مسيرة الفرقة، فهو الأكثر انتشاراً لها حتى اليوم، لدرجة أن بعض أغنياتها بات ينافس بقوة أغاني المهرجانات في الأفراح الشعبية، وهو ما لم يحدث من قبل لمثل هذه الفرق التي يخاطب معظمها الفئات المجتمعية الأكثر وعياً وتعلّماً. واحتفى أعضاء الفرقة أخيراً باقتراب مشاهدات ألبوم «نقطة بيضا» على يوتيوب من المئة مليون. وعلى رغم هذا الانتشار، واجهت الفرقة سيلاً من النقد، فبعد منع الرقابة على المصنفات الفنية ألبومهم من الإذاعة في الراديو والتلفزيون، واجه أفراد الفرقة تحدياً جديداً تمثَّل في منع بعض حفلاتهم لدواعٍ أمنية، كما تعرضوا وجمهورهم لاعتداءات متكررة على أيدي مجهولين. غير أن التصعيد الأبرز جاء من أحد الموسيقيين المعروفين، الذي طالب في تصريح له باعتقالهم، واصفاً إياهم بالمحرضين على قلب النظام. لم تكن هذه المرة الأولى التي هوجم فيها أعضاء فرقة «كايروكي»، ففي ظل حكم جماعة «الإخوان المسلمين» بين عامي 2012 و2013، تم التضييق عليهم ومنعت إحدى أغانيهم وهي أغنية «مطلوب زعيم»، بدعوى «خدش الحياء العام». وهي واحدة من التهم الكثيرة التي وُجهت للفرقة التي تتبنى سياقاً غنائياً متمرداً على مستوى الموسيقى وعلى مستوى الكلمات أيضاً. تعتمد «كايروكي» على نوع مختلف من المواضيع بعيداً من الأنماط التقليدية الثلاثة المعروفة (العاطفية والوطنية والدينية)، وتحمل الكثير من كلمات أغانيها رسائل سياسية واجتماعية من دون أن تخفي انتماءها إلى جيل الثورة وتعبيرها عن خيبة أملها لما حدث لها.