يروي محمد حسنين هيكل في برنامج «تجربة حياة» المتلفز ذكرياته عن لقاءين يتيمين جمعاه والرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي. ما يهمّ في الحديث عن هذين اللقاءين، ليس استشراف مستقبل تونس من خلالهما، وبخاصة أن اللقاء الأول بدا عرضياً، إذ كان بن علي لا يزال ضابطاً في الجيش التونسي، ولم يكن ثمة ما يشير إلى مستقبل خاص به. ما يهمّ هو اللقاء الثاني الذي جرى بعد إزاحة الرئيس بورقيبة عن سدة الحكم، بسبب مرضه وعجزه، وكان هذا الأخير بكى أمام زوجة هيكل الى درجة أن وسيلة زوجة الرئيس التونسي الراحل تدخلت حينها بقولها إن «سي حبيب» قد خرف تماماً. كُتب الكثير عن تونس وعن ثورة الياسمين فيها، وليس هنا موضع تقويم ما كتب، إذ تجيء رواية هيكل هذه المرة من زاوية مختلفة، تتعلق بشخص الرئيس المخلوع الذي بدا لهيكل في اللقاء الثاني غامضاً ومنغلقاً على نفسه أكثر مما يجب، حتى أنه سببّ حيرة لهيكل، قلما تحدث له، بحكم تعوّده لقاء الزعماء والرؤساء ومعرفته بهم في شكل جيد، حتى من قبل أن تتم هذه اللقاءات. المفاجأة أن هيكل وجد مفتاح هذه الشخصية الغامضة بأسرع مما يتوقع هو نفسه. فمجرد إشارة إلى صورته الشخصية المعلقة في أمكنة كثيرة في القصر الجمهوري وقوله إنه في الواقع أفضل مما يبدو عليه في الصورة، شكّل في رأي هيكل هذا «اختراقاً كافياً لحل لغز شخصية الرئيس التونسي... إذ سرعان ما أبدى بن علي اهتماماً متزايداً بحديث ضيفه عن صوره، وكيف أنه نادى مستشاراً له على وجه السرعة، وطالبه باستدعاء أفضل مصور في العاصمة الفرنسية بغية التقاط صور جديدة له تكشف عن هويته التي أشار إليها هيكل، واسترسل بعدها بحديث مطول عن رؤيته لتونس بعد تسلمه زمام الأمور فيها. لا أحد يعرف بعد ذلك عدد الصور التي التقطت للزعيم التونسي حينها، ولكن ما هو أكيد، أن «الصورة الموجهة»، إن جاز التعبير، عادة ما تلعب دوراً في تأكيد سطوة هذا الزعيم أو ذاك. ويمكن لمصور ما أن يلعب دوراً بارزاً في هذا المجال من خلال دراسة الوجه قبالة آلة التصوير، وغوصه فيه من خلال معرفة الإضاءة اللازمة له، بغية تأكيد سلطته، وهذا ما فعله الرئيس التونسي حين طلب مصوراً محترفاً لالتقاط صور جديدة له. بالطبع هذا قد يقود إلى الحديث عن صور كثيرة تعرضها الفضائيات والصحف لزعماء في وضعيات مختلفة. بعضها يراد منه النيل من شخصية صاحب الصورة، وبعضها الآخر يراد من خلاله توكيد سطوته وإملاء رغباته الخفية من خلال حركة معينة، أو إضاءة معينة. وقد لا تصل الى مرادها حين يأخذ بعضها تأويلات وتفسيرات كثيرة تربك المهتمين وحتى أصحاب الشأن. فعالم الصورة غني ومعقد، وهو يزيد من سلطاته الخفية أكثر فأكثر، وإلا لما وجد هيكل مفتاح شخصية زين العابدين بن علي بسهولة ويسر بالغين دفعا بالرئيس التونسي للانفتاح على ضيفه بالسرعة المطلوبة.