«عكاظ» لبست قفازات البحث وتجولت في هذه الأحياء فكشفت أن السمة الأساسية لحارات جدة التاريخية تتمثل في الباعة الجائلين ومجهولي الهوية الذين يتعاملون في بيع أدوات وأجهزة مجهولة المصدر، بالرغم من قرب انتهاء المهلة التصحيحية لأوضاع العمالة إلا أنهم يسرحون في الأزقة الضيقة في المنطقة التاريخية دون حسيب أو رقيب بعد أن كانت تمثل الإرث والتاريخ الحضاري لسكان جدة، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد فحسب بل تحول الإرث التاريخي إلى سوق مشبوهة لبيع أجهزة هواتف غالية الثمن بأسعار رخيصة جدا، الأمر الذي يشكل حيرة لزبائن مثل هذه الأسواق الذين يرجحون أن تكون هذه الأجهزة مسروقة، كما يتم بيع أنواع من المواد التي تكافح الحشرات وسعرها يتراوح بين ثلاثة إلى ثمانية ريالات، وهي تباع في أكياس ليس عليها أي علامة تجارية أو عبارات توحي أنه منتج لمكافحة الحشرات، فضلا عن بعض السلع الاستهلاكية المتناثرة في سوق قابل على امتداد رصيفه العريق. وفي هذا السياق أوضح طاهر باسعيد أن المنطقة التاريخية تعد بمثابة قلب جدة النابض، وهي مواقع كان الأجدر استثمارها لتكون قيمة تراثية تستقطب السياح والباحثين عن تاريخ جدة القديم.وأضاف بقوله «ما أن تدلف إلى المنطقة التاريخية حتى تبدأ روائح الصرف الصحي تستقبلك من كل مكان فلا تملك إلا أن تضع يدك أو قطعة قماش على أنفك للتخلص من هذه الروائح الكريهة، فضلا عن حزمة من المشاهد العشوائية التي تتسلق أعصاب هذه المنطقة. وقال ناصر السعدي: إن المخالفات تستجد بشكل يومي وبطرق ملتوية في الأحياء القديمة، حيث إن الإنسان ما أن يدخل إلى المنطقة التاريخية حتى تستقبله أعداد كبيرة من باعة الأجهزة الذكية الذين يعرضون هذه الأجهزة بأسعار أقل من سعر السوق وهو ما يجعل الإنسان في حيرة. محمد مجدي متخلف من جنسية عربية قال إنه يجلب أجهزة الهاتف الذكية من بعض الأسواق التي في المنطقة التاريخية، حيث إن هناك مجموعة من العمالة تتولى بيع أجهزة لا نعلم مصدرها ولا نعرف مدى صلاحها، ونحن بدورنا نقوم بشراء هذه الأجهزة ونبيعها للزبائن ونحقق في المتوسط ربحا لا يقل عن 10% من المبلغ الذي قمنا بالشراء به. واستطرد البائع: نقوم بعرض الأجهزة على الزبائن في السوق والشوارع والطرقات وتلقى هذه الأجهزة رواجا كبيرا لأنها تباع بأسعار رخيصة تقل كثيرا عن سعرها الأصلي، ولكن غالبا ما يكون الهاتف الذكي من دون مغلف وليست معه الإكسسوارات الخاصة به مثل الشاحن والمغلف وغيرها من الحواشي. ومن جهته أوضح ساجد خان بقوله: نحن لا نبحث عن الأرباح الكبيرة وأن الأجهزة تختلف من ماركة إلى أخرى، كما أن أسعار البيع تختلف من بائع لآخر بحسب القيمة التي اشترى بها الجهاز من السوق. وعندما سألناه عن موقع السوق الذي تباع فيه مثل هذه الأجهزة رفض تماما وقال إنه في موقع من السوق. واتجهنا بعد ذلك إلى جهة أخرى من شارع قابل الذي يغص بالباعة والمتجولين وخلف بسطة صغيرة جلس صبي وافد يبيع مادة مغلفات لمبيد حشري مجهول المصدر، وقال البائع وهو يشير بعصا في يده إلى المغلفات أنه يمكن أن يبيع ثلاثة أكياس بعشرة ريالات، والشيء الغريب أن الأكياس ليس بها أي علامة تجارية، الأمر الذي قد يضر بالمشتري. وقال البائع إنه يشتري المبيد من بعض محال العطارة المنتشرة في المنطقة التاريخية. مسلسل المخالفات يتواصل في المنطقة التاريخية ومنها مشهد بائعات القورو الأفريقيات، تتوقف بجانب بسطة البائعة وتسألها عن ثمرة القورو غير أنها تحجم عن الرد، وبحسب بعض الدراسات الطبية فإن القورو مضر بالصحة وأحد المسببات لمرض السرطان. بائعة أفريقية أخرى فضلت عدم ذكر اسمها أوضحت أن القورو لا يسبب الأمراض ولكنها زعمت أنه منشط للدورة الدموية، وذكرت البائعة أنها اختارت منطقة البلد لممارسة نشاطها في بيع القورو بسبب وجود كثير من العمالة الوافدة التي تتعاطى القورو وهم ينتشرون في السوق والمنطقة التاريخية. وبحسب قول البائعة.. تختار الأماكن الباردة حتى لا تفسد الثمرة، وذكرت بأن البلدية في جولاتها تصادر في بعض الأحيان البضاعة وفي أحيان أخرى لا يلتفتون إلى بائعات القورو. وقال حسن المحمدي: وضع المنطقة التاريخية لا يسر العين وهي تعاني من الإهمال سواء على مستوى الباعة المخالفين أو الإهمال في نفس المنطقة من بنية تحتية أو ترميم للمباني القديمة.من جهة أخرى أوضح أستاذ التاريخ محمد بنان أن خروج سكان وأصحاب البيوت من مبانيهم منذ عشرات السنين وإهمال الأبناء لهذا الإرث كان عاملا مهما في جعل البيوت بيئة صالحة للإهمال، وجاءت بعد ذلك العمالة المتخلفة التي زادت الطين بلة، حيث أصبحت هذه البيوت ملاذا لهم في غياب بعض مالكي تلك البيوت وعمدوا الى إيصال التيار الكهربائي بطرق عشوائية وملتوية فضلا عن أن بعض البيوت الموجودة في المنطقة التاريخية يسكن بها عمالة ولا يعرف لها صاحب أو مالك، وطالب بنان بضرورة أن تتولى جهة معنية بالآثار والمناطق التاريخية هذا الموقع كي تعيد لوسط البلد صورته الناصعة وتاريخه المشرق الذي بناه الآباء والأجداد. أمانة جدة أوضحت أنه يتم التنسيق مع بلدية البلد الفرعية وذلك للقيام بحملات مستمرة على الباعة المتجولين ومصادرة البضائع المجهولة. كما كشف تقرير صادر عن بلدية البلد أنها قامت بمتابعة 3475 حاوية نظافة بالتفريغ المستمر والرش والمتابعة الدورية لها وصيانتها، كما أن أعمال الكنس الآلي طالت 748 كيلو متر، و672 كيلو متر أعمال كنس يدوي، فضلا عن أعمال مكافحة الفئران والغربان والحيوانات الضالة.