بالرغم من أن السنوات ال 58 التي فصلت بين بروز النازية الألمانية مع أدولف هتلر، وانهيار الاتحاد السوفيتي قد جرى توثيقها بالشكل الوافي كغيرها من أية حقبة تاريخية أخرى، فإن ثمة نقصا ملحوظا في توثيق الفظائع الكبرى لتلك الحقبة. من المؤكد أن معظم الذين عانوا من تلك الفظائع قد ماتوا، او اصبحوا عاجزين عن العمل، او لم يكونوا موهوبين للكتابة. لكن هذا لا ينفي وجود عدد من الكتب الرائعة التي توثق الأحداث المريعة في تلك الفترة، مثل كتاب «ضياع المصير» للكاتب «بريمو ليفي»، وكتاب «ارخبيل الكولاغ» للروائي الروسي سولجينيتسين، وغيرها. وبوسعنا اليوم اضافة رواية «ملاك الجوع» للروائية الألمانية هيرثا مولر، الحائزة على جائزة نوبل للآداب عام 2009، الى هذه اللائحة. فقد اهتمت الأوساط الثقافية بظهور رواية «ملاك الجوع» لصاحبة نوبل للآداب هيرثا مولر الرومانية المنحدرة من اصل الماني، فيما لاحظ بعض النقاد ان هذه الرواية تختلف، الى حد ما، عن السياقات المعتادة لهيرثا مولر في رواياتها «السابقة» تتناول الرواية الاخيرة للكاتبة هيرثا مولر، بعنوان «ملاك الجوع» والتي جاءت اشبه بملحمة معاناة جيل الآباء في ظل النظام الشيوعي في رومانيا، وترحيل آلاف العمال الرومانيين المنحدرين من اصل الماني الى معسكرات العمل في الاتحاد السوفيتي السابق بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. ومعروف ان والدة هيرثا مولر كانت قد امضت بدورها، خمس سنوات في ظروف لا انسانية في معسكر عمل سوفيتي، واختارت اسم احدى زميلاتها التي قضت في ذلك المعسكر لابنتها التي باتت من اشهر الروائيات في القرن العشرين. وتماما مثل والدتها، فإن الشاب الصغير «ليو أوبرج» بطل روايتها «ملاك الجوع» كان يعيش في الريف الروماني حتى اعتقله الروس هناك ونقلوه الى معسكر عمل اجباري، وقد سعى جاهداً للحفاظ على روحه وعلى افضل ما في نفسه. وكانت هيرثا مولر قالت في تصريحات صحافية سابقة: «لم أكن اريد ان اكون كاتبة أبداً» أي كتاب، مشيرة الى ان روايتها الجديدة تتناول ايضا عذاب الأمهات في ظل النظام الديكتاتوري، وتتحدث عن شعر امها الذي حلقوه في معسكر العمل الإجباري. ونوهت مولر، بتعقيد بيئتها العائلية حيث كان والدها يخدم في الجيش الالماني النازي اثناء الحرب العالمية الثانية لتوقع العائلة تمنى هذا التجنيد بعد انتهاء الحرب وهزيمة النازية الهتلرية. وكانت هيرثا مولر، التي وُلدت عام 1953، قد شاركت في مهرجان «الفيلم للأحداث العالمية» في نيويورك، وانتهزت هذه المناسبة للترويج لكتابها الجديد «ملاك الجوع» الذي اعتبره النقاد انه يجسد الطريقة السيمفونية لهذه الكاتبة الكبيرة، «فيما ان تنتهي حركة حتى تبدأ حركة جديدة في الرواية». ومع ان كتابتها توصف بأنها «متجهمة»، فإن مفردات مولر المبتكرة تنبض بالحياة مع منحى روائي يرصد أدق التفاصيل، وبتفاعلات اقرب الى التفاعلات الكيميائية التي تولد مركبات جديدة عبر طاقة تحويلية ابداعية. الى ذلك تبدي هيرثا مولر اهتماما خاصا في اعمالها بمسألة سقوط المثقفين او فقد انسانيتهم في ظل الانظمة الاستبدادية ومعسكرات الاعتقال والعمل الجماعي، على غرار ما يُعرف باسم «الكولاغ» في الاتحاد السوفيتي السابق. هذا، وتحفل اعمال هيرثا مولر بالمكائد والدسائس والخيانات التي تتكاثر في ظل الانظمة الاستبدادية والبوليسية، وكأنها لا تنسى أبدا معاناتها في ظل النظام الشمولي الشيوعي، رغم انها تعيش في المانيا منذ العام 1978، عندما كانت تحمل اسم «المانياالغربية» قبل اعادة توحيد شطريها مع انهيار سور برلين في نهاية ثمانينات القرن العشرين. وما يثير الدهشة والتأمل هو ان رواية «ملاك الجوع» كانت قد بدأت كعمل مشترك بين هيرثا مولر والشاعر اوسكار باستيور وهو بدوره روماني من اصل الماني، كان قد فر الى الغرب منذ العام 1968، واصطحب هيرثا لمشاهدة معسكر اعتقال قضى فيه اربع سنوات من حياته. وبعد ان مات باستيور عام 2006، قررت هيرثا مولر المضي قدماً في هذه الرواية كنوع من الوفاء لاسم الشاعر الذي عانى من الطغيان، فيما قيل بعد وفاته بسكتة قلبية انه كان عميلا لأجهزة الامن الرومانية في عهد الديكتاتور «نيكولاي تشاوشيسكو». وقد سعت هيرثا مولر للدفاع عن الشاعر «اوسكار باستيور» معتبرة ان هناك أسبابا موجبة لالتماس العذر له، ان صح ما تردد عن عمالته لأجهزة الامن، معيدة للأذهان، الثمن القاسي الذي دفعه كل من رفض التعاون مع تلك الاجهزة. ومع ذلك منذ أكدت الاديبة «النوبلية» انها، لو علمت من قبل بأن باستيور كان عميلا للشرطة السرية، لنأت بنفسها عنه وتخلت حتى، عن مشروع رواية «ملاك الجوع». ورغم المفارقات التي انطوت عليها تلك الرواية والملابسات والظلال التي خيمت عليها بسبب ما قيل حول عمالة باستيور، فلعل عزاء صاحبة نوبل ان «ملاك الجوع» تقدم شرحا مفيدا لآليات الديكتاتورية وطريقة عمل النظام الاستبدادي. رواية «ملاك الجوع» تروي قصة الشاب «ليو اوبرج» 17 عاما، وهو روماني ساكسوني العرق، عاش في ريف رومانيا حيث شهد زملاءه القرويين وقد افسدتهم الظروف، فيما جاهد هو للحفاظ على افضل ما في نفسه. لكن حياته توقفت عندما ارسله جنود سوفيت الى معسكر اعتقال وعمل اجباري عام 1945. وقد سئلت الكاتبة عن كيفية فقدان الناس انفسهم في مثل هذه الظروف المعاكسة، فأجابت، «مرة اخرى» أعتقد انها مسألة استراتيجيات فردية. ففي المعسكر فقد المثقفون إنسانيتهم، لأنهم اعتمدوا على بناء أكثر تعقيدا للأخلاق وللعالم لا يعود صالحا عندما تنهار الحضارة. وأضافت أنها تأمل أن يخرج قراء روايتها بشيء مفيد، لأنها تعلمت الكثير في كتب الآخرين.