استلمت مؤخرا هدية قيمة من مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض، تتمثل في الإصدار الأول من موسوعة المملكة العربية السعودية (20 مجلدا)، ومشفوعة برسالة خاصة مرفقة من قبل الأستاذ فيصل بن عبدالرحمن بن معمر المشرف العام على المكتبة والموسوعة. استعرض فيها الجهود الجماعية التي بذلت لتنفيذ مشروع الموسوعة، وذلك وفقا للأمر السامي الصادر بتاريخ 28/11/ 2001، والذي استغرق عشر سنوات من العمل المضني، الذي شارك فيه نخبة من الأكاديميين والباحثين والمتخصصين السعوديين في شتى صنوف المعرفة، ومن مختلف الجامعات السعودية، ويقدر عددهم بنحو 250 باحثا وباحثة.. الجدير بالذكر بأن الأمير عبد العزيز بن عبد الله بن عبد العزيز نائب وزير الخارجية عضو مجلس إدارة مكتبة الملك عبد العزيز العامة، قام في 4 ديسمبر 2011 بتدشين الإصدار الأول للموسوعة التي اعتبرت بحق منجزا حضاريا وعلميا ومعرفيا، وستسد ثغرة كبيرة في المكتبتين العربية والسعودية، وهي قلة المراجع الموسوعية التي تقدم المعلومة الشاملة وتغطي مختلف الجوانب التاريخية والجغرافية والاقتصادية والثقافية وغيرها.. الدكتور فهد بن سلطان السلطان المدير التنفيذي ورئيس لجنة الإشراف في الموسوعة، ذكر أنه قد روعي في اختيار الباحثين عدد من المعايير العلمية الدقيقة، وقد اعتمدت الموسوعة أساس التقسيم الإداري للمملكة إلى ثلاث عشرة منطقة، منها أربع مناطق يأتي كل منها في مجلدين، وهي مكةالمكرمة والمدينة المنورة والرياض والمنطقة الشرقية، في حين جاءت المناطق الأخرى في مجلد واحد لكل منها. المجلد الأول للموسوعة عبارة عن مدخل عام احتوى على حقائق ومعلومات موجزة عن المملكة مثل أهميتها الجغرافية والتاريخية والدينية والاقتصادية والسياسية، كما اشتمل على استعراض أنظمة الدولة والخصائص الجغرافية والآثار والمواقع التاريخية، والتطور التاريخي والأنماط الاجتماعية والعادات والتقاليد، والحركة الثقافية والخدمات والمرافق التنموية والاقتصاد والثروات الطبيعية والحياة الفطرية والسياحة، كما جرى التطرق إلى تشكيل وعمل الوزارات والرئاسات والمجالس والدواوين والهيئات والمؤسسات والمصالح والمراكز. وقد دعمت الموسوعة بنحو 10.000صورة، و160خريطة، ومجموعة كبيرة من الأشكال والرسوم والوسائل الإيضاحية.. سأقف هنا عند مسألة مهمة استوقفتني في إطلالتي السريعة على الموسوعة، وتتعلق بمنهج المفهوم العلمي للتاريخ والوقائع والأحداث التي شهدتها الجزيرة العربية، بما في ذلك تحديد المسار والتطور التاريخي لقيام الدولة السعودية الأولى والثانية وأسباب انهيارهما، وعوامل نجاح وتوطد مواقع الدولة السعودية الثالثة.. نستعيد هنا تعريف ابن خلدون الذي يعتبر مؤسسا لعلم التاريخ، حيث يعرف التاريخ بأنه «خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال: مثل التوحش والتأنس، والعصبيات، وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول، ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب، المعاش، والعلم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعة الأحوال».. وهذا يعنى أن التاريخ ليس استعراض الأحداث وسيرة الشخصيات المؤثرة في التاريخ في ظاهرها، بل يتعين الغوص في العمق الذي يمثل الأساس الواقعي لها فالتاريخ وفقا لإبن خلدون هو «تعليل للكائنات ومبادئها.. علم بكيفيات الوقائع وأسبابها».. نلحظ في الموسوعة السرد التاريخي للأحداث التركيز على دور ومكانة الفرد في التاريخ بمعزل عن مدى نضج العوامل والظروف الموضوعية المواتية. قراءة التاريخ تستدعي في المقام الأول فهم وتحليل الشروط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأمنية السائدة، ناهيك عن المؤثرات الخارجية المحيطة.. على هذه الأرضية نفهم أسباب وعوامل غياب الدولة المركزية في الجزيرة العربية على مدى أكثر من ألف عام، أو انهيار الإمارات القديمة المتصارعة في ما بينها، أو قيام الدولة السعودية الأولى ثم الدولة السعودية الثانية وأسباب انهيارهما.. الدور التاريخي الذي لعبه الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود في تأسيس وبناء الدولة السعودية المعاصرة على سبيل المثال، لا يكمن في مزاياه الشخصية وملكاته القيادية التي تتسم بالحنكة والشجاعة فقط، بل أيضا في استيعابه لمجمل الظروف والشروط الموضوعية والذاتية الناضجة والمواتية لقيام دولة مركزية موحدة. للتواصل أرسل sms إلى 88548 الاتصالات ,636250 موبايلي, 737701 زين تبدأ بالرمز 147 مسافة ثم الرسالة