في كتاب ذم الهوى لأبي الفرج ابن الجوزي، فصل في ذم فضول النظر، والتحذير منه، وفي هذا الفصل يورد ابن الجوزي بعض الأحاديث والمرويات التي تتضمن النهي عن النظر مثل ما ذكره عن البخاري أنه قال: «(...) دخل عبدالله بن مسعود على مريض يعوده، ومعه قوم، وفي البيت امرأة، فجعل رجل من القوم ينظر إلى المرأة، فقال عبدالله: لو انفقأت عينك كان خيرا لك». كذلك يورد أخبارا وحكايات عن بعض الفضلاء من الناس الذين لم يكونوا ليحدقوا في النساء، مثل ما رواه من أن بعض أمراء البصرة طلب داود بن عبدالله، فلجأ إلى رجل من أصحابه (...) فأنزله منزله، وكانت له امرأة جميلة يقال لها الزرقاء، فأوصاها أن تلطفه وتخدمه وخرج هو في حاجة. وبعد أن رجع سأل داود: كيف رأيت الزرقاء؟ وكيف كان لطفها بك؟ قال: من الزرقاء؟ قال: أم منزلك. قال: ما أدري أزرقاء هي أم كحلاء! فأتاها زوجها فتناولها وقال: أوصيتك بداود أن تلطفيه وتخدميه فلم تفعلي؟! قالت: أوصيتني برجل أعمى! والله ما رفع طرفه إلي! كما يورد أيضا أخبارا عن أناس آخرين ممن كانت إغراءات الجمال أقوى منهم، فكانوا يطيلون النظر مثل ما ذكره عن أبي جابر الضبي أنه قال: «قدمت بنو كلاب البصرة، فأتيتهم فإذا عجوز معها صبية لم أر أجمل منها، وأنا إذ ذاك غلام، فجعلت أديم النظر إليها، وفطنت العجوز لنظري فقالت لي: يا بني ما أحوجك إلى ما يكف بصرك (...) قال: فانصرفت والله لم أحر جوابا، وفي قلبي مثل النار». ما يستوقف في مثل هذه الحكايات والأخبار، ليس النهي عن النظر، فهذا يعرفه أغلب الناس ويتردد على أسماعهم كثيرا، ما يستوقفنا في هذه الحكايات هو شيء آخر، غالبا لا يقف عنده أحد، ولا يشار إليه من قريب أو بعيد، وأعني به وجود المرأة في الحياة العامة، سافرة سفورا يمكن الناظر إليها من تبين جمالها، ويعرضه لإطالة التحديق فيها إن لم يكن تقيا ورعا! وذلك في القرن السادس للهجرة تاريخ وضع ابن الجوزي لكتابه هذا! هذه الحكايات التي يعرضها ابن الجوزي، تدفع بنا إلى التساؤل عن حقيقة الحجاب، والفصل بين الجنسين؟ فأولئك النساء المذكورات في تلك الحكايات يظهرن مختلطات بالرجال سافرات، وتقدمهن الحكايات على أنهن كن حاضرات في مجالس فيها رجال، يشاركن في شؤون الحياة العامة، بل إن الرجل الذي لجأ إليه داود بن عبدالله، طلب بنفسه من زوجته أن تخدم ضيفه وأن تلاطفه، وقد تركها معه وخرج، حسب ما ورد في الحكاية. هل كان ابن الجوزي يضع تلك الحكايات من عنده ليحث قراءه على غض النظر؟ أم إنها حكايات حقيقية كما يزعم؟ وحتى على افتراض أن حكاياته تلك موضوعة، هل كان بإمكانه أن يضعها بهذه الصورة التي تبدو فيها النساء سافرات مخالطات للرجال لو لم يكن في الحياة الاجتماعية في عصره ما يماثلها؟ وهل كان الناس يقبلون حكاياته لو أنها جاءت بما يخالف واقعهم الذي كانوا يعيشونه مخالفة صريحة بائنة! فاكس 4555382-01 للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 160 مسافة ثم الرسالة