تمضي المملكة العربية السعودية قدما في سبيل تطبيق خطة التحول الوطني 2030. إذ أعلنت عن البدء في عملية الخصخصة لعدة قطاعات حكومية. وتشمل القطاعات المستهدفة: البيئة والمياه والزراعة، والنقل (جوي وبحري وبري)، والطاقة والصناعة والثروة المعدنية، والتنمية الاجتماعية، والإسكان، والتعليم، والصحة، والبلديات، والحج والعمرة، والاتصالات وتقنية المعلومات. كما أن الخصخصة هي طريقة تفكير وأداة نفعية تقوم على تصور نظام جديد لتقسيم العمل والمهام الخاصة بالاقتصاد القومي، بين الحكومة والقطاع الخاص. لذا فإن للخصخصة فوائد متعددة، إذ إنها ستزيل عن كاهل الدولة عبء توفير الموارد اللازمة لتشغيل هذه المنشآت، وستزيد كفاءة وفاعلية مقدمي الخدمة، مما سينعكس إيجابيا على كم وكيف الخدمات والأسعار، وتعمل الخصخصة أيضا على تقليل البيروقراطية بشكل كبير وملحوظ وستحد من الفساد، وستساهم في خلق بيئة استثمارية جاذبة. وتستهدف الرؤية السعودية، رفع الإيرادات الحكومية غير النفطية من 163 مليار ريال (43.5 مليار دولار) في 2015، إلى نحو تريليون ريال سنويا (267 مليار دولار). وبلا شك فإن موضوعا كهذا يثير مخاوف عدة! يكمن الهاجس الرئيس للمعارضين للخصخصة في أن القطاع الخاص هدفه ربحي بالمقام الأول. إذ سيحرص على تقديم خدماته في الأماكن أو الشرائح التي يضمن وجود الربح بها، وسيقوم بتقليص الوظائف في القطاعات غير الربحية، وقد يقوم بأي عمل لتقليل الخسائر وزيادة الأرباح حتى لو كان لها ضرر على المجتمع أو البيئة مثل التخلص من النفايات بطريقة خاطئة. وقد لا تحقق الخصخصة أيضا النتائج المرجوة في حالة وجود مقدم خدمة واحد (احتكار). فيجب أن لا تغيب كل هذه الأمور على المشرعين وصناع القرار للحرص على نجاح العملية. إن نجاح برامج الخصخصة يعتمد -إلى حد كبير- على وضوح الأهداف، التي ترنو الدولة إلى تحقيقها من تحويل عدد من مؤسساتها العامة إلى القطاع الخاص، لأن مسار الخصخصة يتحدد بهذه الأهداف. لذا فمن الضروري لضمان نجاح الخصخصة وديمومتها أن تتوافر خطة واضحة لإدارة التغيير، وبرنامج اتصالات وتواصل فاعل مع كل المستهدفين، وعمل تدريب متخصص يطرح مهارات جديدة للقادة وللعاملين في كافة المناصب، ومراجعة وتعديل الهيكل التنظيمي لكل منشأة، ومراجعة وتعديل برنامج المكافآت الوظيفية ومراجعة الأداء بحيث يتم مكافأة الموظفين بحسب أدائهم. كما يجب وضع توطين الوظائف كأولوية قصوى والتركيز على إعطاء الفرص للجنسين واختيار الأكفأ. ومن المهم أيضا مراجعة وتطوير الأنظمة الداخلية واستحداث مؤشرات لمراقبة الأداء، لتحقيق أكبر قدر من الفاعلية على الإنتاجية. وخير مثال ناجح على الخصخصة في وطننا هي شركة الاتصالات السعودية، حيث تحسن أداؤها بشكل فعال منذ خصخصتها. ولنا أيضا أمثلة عالمية ناجحة سابقة، إذ قامت بريطانيا في الثمانينيات بعمل خصخصة كبيرة لعدة جهات مثل: خطوط الطيران، المطارات، الاتصالات، البترول، مما أثر إيجابا على اقتصاد الدولة. يجب أن لا نخشى من الخصخصة، حيث إن فوائدها تتعدى المنشأة بذاتها، إذ إنها مرتبطة بزيادة كفاءة وقوة الاقتصاد الوطني ككل نظرا لترابط القطاعات وأهميتها لبعضها البعض. ولنتذكر جميعا أن الفرص للتطوير والتحسين تكمن في وجود التحديات، وأن القادة المبدعين هم الذين يملكون رؤية واضحة وتصورا للمستقبل ويأخذون بزمام المبادرة لإحداث فارق إيجابي.