ضبط الإنفاق والترشيد في صرف المال بات أمرا مُلحّا، ذلك أن العاقل يزن مصروفاته بما يتوافق مع دخله وادخاره، ولا يكون مضياعا للمال، باسطا يده كل البسط، يصرف يمنة ويسرة، لا يبالي في أي موضع وضع ماله، سواء في حاجة ضرورية أو كمالية، أو محاكاة لحال المترفين، فيشتري كل ما يشتهي ولو كان غير محتاج إليه، وفي المثل الدارج «من اشترى ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه» فإذا نفد ماله، أو ما يتقاضاه من راتب، قبل استلام راتبه الآخر، ضاقت به نفسه، واشتد عليه الأمر، فلم يستطع توفير الضروري له ولعياله، فإما أن يقترض مالا أو يسأل الناس أعطوه أو منعوه، فمن هنا تأتي أهمية الترشيد في المصروفات، لئلا يحتاج سلفا أو عطاء من أحد. إن الناظر في حال كثير من الناس، يرى بعضهم يريد أن يكون مثل غيره، في الملبس والمأكل والمشرب والمسكن، ووسائل الترفيه، وهو لا يستطيع مماثلتهم في ذلك، لعدم تناسب دخله مع دخولاتهم، فيقع في الندم والتحسر حينما ينفد ما عنده، فيلوم نفسه في وقت لا ينفعه ندمه، قال تعالى: «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا» [الإسراء: 29]. فمتى يقف المرء مع نفسه وقفة ترشيد في الصرف والإنفاق، وموازنة ذلك مع دخله وادخاره، حتى لا يتحسر أو يتندم. ولا ثمة مانع من الاستعانة بخبير اقتصادي في رسم المصروفات الشهرية التي ينبغي السير عليها بما يتوافق مع الدخل والادخار. ولو بادرت وزارة المالية أو بادر الخبراء الاقتصاديون، بوضع جداول ترشيدية لمصروفات الأسرة الشهرية، حسب الرواتب التي يتقاضاها الموظفون، لكانت مبادرة خير يعود نفعها على الأسرة وعلى انتعاش الاقتصاد. اللهم بارك لنا في أرزاقنا، وأصلح قلوبنا وأعمالنا.