قبل أيام ليست ببعيدة تابع العالم «قفزة فيلكس»، وحين كان فيلكس يقطع المسافات من الجو سقوطاً، كان الشعور السائد الملاحظ في المتابعين هو «الخوف على حياة فيلكس» فبعضهم يتابع وفي قلبه يتمنى أن تتكلل الرحلة «بسلام وأمان وأن يصل فيلكس الأرض وهو بخير» بغض النظر عن أية نتائج لهذه القفزة وما تقدمه للعلم، ولم يسع أغلب المتابعين أن يسألوا أين سيسقط؟ ومن هو فيلكس وما هي جنسيته ومعتقداته؟ لقد كان الشعور المحرك في تلك اللحظات «إنسانياً محضاً» ولم تتسع قلوب المشاهدين لأكثر من هذه العاطفة وتلك الغريزة. بينما تنتشر في هذه الأيام بعض الموضوعات التي تتشفى من بشر يصيبهم «إعصار ساندي» ويفرحون بهذه الكارثة الطبيعية فيضع واضعوها إنسانيتهم على المحك، وأخلاقياتهم البشرية تحت الاختبار العاطفي، ويسيرون وفق أيديولوجيا لا تمثل بتاتاً المعتقدات السمحة التي جاء بها المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي رفض أن يدعو الله بأن يطبق الأخشبين «جبلين عظيمين» على من رجموه وآذوه حين خرج للدعوة إلى الإسلام، وموقف آخر حين مرت بجانبه جنازة اليهودي فقام لها فقالوا له: يا رسول الله إنها جنازة يهودي؛ فجاء رد المصطفى الإنساني «أليست نفسًا»؟! إن الأديان السمحة لم تأت للتشفي ولا وسيلة لتشويه العاطفة الإنسانية، بل هي لحفظ الحقوق وهي أخلاقيات وقيم تضبط السلوك وتضبط العاطفة، ولماذا نتشفى ونفرح بالدمار والهدم؟ فليس الإسلام ذلك الذي يهدم، بل على العكس لو فتش أحد الشامتين تراثه المشرق لوجد أن الإسلام غرسٌ للفسائل والأشجار حتى تقوم الساعة، وأن المرور بجانب القرى المدمرة هو مرور خشوع وخوف، وليس موطن انتقام وسخرية. إننا حين تعاملنا مع قفزة فيلكس كانت ردات فعلنا فردية بحتة لذلك تحركت فينا العواطف الإنسانية، أما من جهة «إعصار ساندي» فإن هناك مجموعات أيديولوجية تنتشر في الفضاء السايبيري وفي عالم الافتراض الشبكي تجنح عواطفها إلى كراهية جماعية كردة فعل تجاه «كارثة إنسانية جماعية» وبتفسير باهت تعد أن تلك الكارثة ميدان لتصفية الحسابات بين الحضارات، يقول الطبيب والمؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون في تفسيره لسلوك تلك الجماعات التي تشكل لديها هذه العاطفة النفسية «الجمهور النفسي كائن مؤقت، يتألف من عناصر متنافرة، التحمت لحين من الزمن» كما أنه شبهها بخلايا الجسم المختلفة في وظائفها وأشكالها الفردية لتكون جسم الإنسان المختلف كلياً عن تلك الخلايا التي شكلت بنيته. وإن أكثر ما يُخشى هو أن تتطور تلك الجماهير النفسية اللا منضبطة عاطفياً وإنسانياً وتتحول من الشماتة إلى الكراهية ويصبح العنف مظهراً من آثار ذلك التكلس المتدرج لديها الذي يتصادم مع الآخر ويكوّن السلوك الأمثل لحل ما بين الحضارات من صراع.