العالم القديم لم يكن يعرف إلا الحرب، وحسب إحصاءات «غاستون بوتول» الفرنساوي فإن تاريخ البشر في 3700 سنة كان يدور في جولات مجنونة من الحروب المتواصلة، بمعدل 13 سنة حربا مقابل سنة سلام، هي في الواقع استرداد الأنفاس لحرب قادمة، كما هي الحال في فلسطين حيث الجنون يسيطر حتى حين «قارنوا حروب 1948 1956 1967 1973 2006 2008 2014» والحبل على الجرار لحين استيلاء الجنون الأعظم بحرب نووية تحول المنطقة إلى رماد؟؟ من يدري؟؟ فمجانين العالم كثر من الغرب والشرق. في العالم الحديث أصبحت الحرب جريمة، وكل ما قرب إليها من قول وعمل، يجتمع عقلاء العالم من كل زاوية لإيقاف الحرب، ولا أحد يقول إن الحرب أمر جيد إلا بعض المجانين عندنا؟ فأين نضع إذن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم في «سلم» الزمان؟ إنه بعث في نهاية القرن السادس الميلادي، وبعثته مع مطلع السابع، وهذا يعني أنه جاء في زمن وعصر الحرب القديمة. لماذا لم يحمل نبي الرحمة السيف من أول يوم؟ لماذا أخر القتال حتى وقت محدد هو بعد الهجرة إلى المدينة؟ ولماذا قاتل من هناك وشن الغزوات وكيف ولماذا؟ الجواب على هذا يكمن في ثلاث زوايا؛ معنى المجتمع «الأمة بتعبير القرآن» وبناء الدولة، وأخيرا استخدام العنف من خلال سيف النبوة «كما في موضوع الغزوات». السؤال المحوري من جديد لماذا أمر نبي الرحمة «صلى الله عليه وسلم» أصحابه أن يكفوا أيديهم كما جاء في سورة الناس: (أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)؟ وبالمقابل تماما نجد في سورة البقرة (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ)؟ ويقرر القرآن أنه أمر كريه؟ أذكر من كتاب الحضارة لديورانت أن صلاح الدين الأيوبي أوصى أولاده قبل الموت إياكم والدماء فإن الدماء لا تنام. الحرب تعني قمة الكراهية والإفناء المتبادل. لم يكن نبي الرحمة «صلى الله عليه وسلم» غافلا عن معنى الأمة «المجتمع» ثم بناء الدولة العالمية. كان يعرف تماما أن «الدولة» نظام سياسي يحتكر العنف ويستخدمه. يظهر هذا الكلام واضحا في الشرطي الذي يتدلى من طرفه مسدس وهراوة؟ هل خطر في بالنا لماذا يتسلح الشرطي بالمسدس ولا نتسلح نحن به؟ وممنوع علينا حمله واقتناؤه إلا بترخيص وتصريح مبررين، هل رأينا في حوادث الطرق كيف تأتي الشرطة للفصل بين الناس؟ ما معنى كل هذا؟ إنني أحيانا كما يقول «جودت سعيد» إنه لابد من فتح العين المغلقة وتقطير القطرة الشافية فيها، ولكنني مع كل مرة خاصة مع المشارقة أشعر أنني أنفخ في قربة مثقوبة؟ نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم كان يدرك تماماً أن الدولة (State) بالمصطلح العصري لها وظيفة أساسية هي «توفير الأمن» للأفراد الذين يعيشون في كنفها، مقابل احتكار العنف وأن يدخل الأفراد إلى علبة حديدية مغلقة من الزوايا الثمانية، والويل لمن دخل هذا الصندوق الحديدي وحاول التمرد عليه؟ فأمامه السجن؛ بل أحيانا القتل؟ ولكن من يقتل من؟ سؤال من جديد؟ إنها الدولة سواء إسلامية أو غير إسلامية، فهذا قدر الجنس البشري في إنشاء مربعات الدولة والانحباس داخلها. هنا حديثنا ليس عن الجهاد والغزوات بل إقامة القانون ما يسمى الشريعة في المصطلح الإسلامي. باختصار السيف «العنف المادي» ليس من اختصاص القونوي ولا جماعة بوكوحرام وحزب التحرير. ليس مسموحا به أن يكون في يد جماعة وحزب وطائفة وتنظيم. إنه بكلمة مختصرة هو اختصاص الدولة طالما عشنا هذا الواقع. حاول كثير طرح مفهوم اللادولة ولكن بكل أسف نحن نعيش في ظل الدول وإكراهاتها. ولم يكن أمام المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا الوصول إلى بناء الدولة حتى يكون مأذونا له امتشاق الحسام وهو ما فعله. هنا ليس للفتوحات ولكن لرفع الظلم عن البشر. وهذا يحتاج إلى توسيع.