عندما تندثر القرى تندثر الثقافة، ذلك كان عنوانا رئيسا في صحيفة نيويورك تايمز عن القرى الصينية قبل يومين، والمقالة طويلة ولكنها تشتكي حال قرى الصين التي بدأت تختفي من على وجه الخريطة، فقرى الصين بحسب نيويورك تايمز كانت عام 2000م 3.7 ملايين قرية، وتراجع عددها عام 2010م إلى 2.6 مليون، أي أن 300 قرية تُوارى الثرى يوميا. وإذا كان الصينيون قد تم تهجيرهم قسرا من قراهم لتبني الحكومة مشاريع ترى أنها أكثر جدوى في الاقتصاد المحلي، فإن الصين الغنية جدا بثقافتها باتت اليوم تشعر بقلق حقيقي على تلك الثروة جراء تناقص عدد القرى التي تشكل مخزون الأمة الصينية الثقافي. وتذهب دراسات علم الاجتماع في وصفها المجتمعات الريفية على أنه يمكن "تمييزها بالعين المجردة، بكل مظاهرها الخارجية الواضحة، وثقافتها الريفية المميزة". مازلت أتذكر مدارج قرانا في الجنوب، تنوع حقيقي على الرغم من قلة المسافة التي تفصلها عن بعضها بضعة كيلومترات لتجد قرية تستخدم لهجة تؤكد خصوصيتها، فتتعدد الأسماء للشيء الواحد، وتحدث ثغرة جميلة في عملية التواصل لاتكاد تعطل وصول الرسالة ولكنها بالطبع تقول إ ن المتكلم من "قنا"، "بحر أبوسكينة"، أو "بارق"، وداخل هذه التجمعات القروية هناك تقسيمات أكثر دقة لا تخطئها العين والأذن. اللهجات، الفلكلور، الألعاب الشعبية، الأدوات بأنواعها، حتى لغة الإشارة تكرس مفهوم التنوع وليس الاختلاف. لم أنس يوما الآبار التي كنا نتزاحم على ما فيها من ماء قليل، ولا ذلك المسجد الذي بني قبل أكثر من 150 عاما، بطرازه المعماري الجميل وتصميمه المحكم وتحديدا في توفير الماء وتصريفه. لكن بعض الآبار دفنتها السيول بكل أسف، وهدم المسجد وبني مكانه آخر من الاسمنت المسلح لا روح معمارية له ولا تميز. تبدلت الحال الآن، وأصبح الجميع يتحدثون أو يقلبون ألسنتهم لاستخدام لهجة واحدة، وليتها العربية الفصيحة لكان ذلك مقبولا واعتبر ارتقاء بخطاب التواصل. وكان من سوء الأدب وعدم التقدير في القرى الجنوبية مثلا ألا تملأ الفنجان بالقهوة، بل وأحيانا يتعاظم التقدير لتصب له القهوة في فنجانين؛ واليوم أضحت تقاليد القهوة واحدة. وكانت للزواجات مراسم ثرية، وللظعن بالمرأة من بيت أهلها إلى بيت زوجها طقوس تختلف من قرية لأخرى، وكانت تلك المناسبات حبلى بالمصطلحات التي اندثرت اليوم، وأصبحت حفلات الزواج حالة مستنسخة في معظم مدن وقرى المملكة، يغلب عليها الكآبة فلا تفرق بين تقاليد الزواج أو العزاء. ففي كليهما تلبس المشالح، ولا يجلس أحدهم سوى دقائق معدودة ثم يغادر. الأسواق في قرانا كانت متميزة رغم محدودية المعروض فيها من البضائع؛ فكان للنساء سلعهن الخاصة، كالسمن والروائح الطيبة من الأشجار والورد والريحان، ولهم الدباغة، والأواني الفخارية وتلك التي تصنع من الخوص، والجلود، وغيرها مما تحسن المرأة التجارة فيه. واليوم غدت الأسواق شكلا متشابها؛ يمثل الوافدون من الهند وبنجلاديش والباكستان القاسم المشترك فيها. فماذا بقي من قرانا؟ وماذا بقي في مخزون تنوعنا الثقافي، وهل ذلك التنوع إثرائي أو تفكيكي، ولماذا لم نعد نهتم بتراثنا ليسهم بمجموعه في إبراز مخزوننا الحضاري والثقافي؟ فكل بلاد الدنيا ذات الحضور الثقافي تبنى سمعتها وحضورها الثقافي على أسس راسخة من التنوع الإثرائي. ليس من شك أن الاختلاط بين القرى وبعضها، وتنقل الناس، وعيشهم في مدن بعيدة وأحيانا في دول أخرى قد أحدث تغييرات إيجابية كثيرة بعودة أبناء القرى المغتربين سواء على المستوى المادي أو الثقافي، ولكن لم يصاحب التوفيق المخططين في الأجهزة المعنية فيحفظوا لكل بيئة مجالات تميزها ويعملوا على توثيقها وإعادة انتاجها مستفيدين من مستجدات العصر.