لنفكر في نطاق دائرتنا الفردية الصغيرة جدا، فالقليل هم الذين يملكون تغيير العالم باكتشاف علمي جديد أو نظرية فكرية مبهرة أو نص أدبي ساحر أو عمل فني يخلد في الذاكرة. وأنا وأنت مثلا قد لا نكون صناع رأي ولا أصحاب فكرة وليس لنا توجه سوى أن نحقق أحلامنا الشخصية الصغيرة التي تتراوح بين الحصول على ترقية إلى فوز فريقنا الرياضي المفضل! ولكننا قد نملك دقة الملاحظة، ومنطقا يتيح لنا التفكير، وعلاقة مثمرة بالبيئة التي نعيش فيها، فكل منا جزء من مجتمع فتي تتغير ملامحه بتغير أشياء كثيرة حوله. فقبل عشر سنوات كان الحديث عن الإنترنت والهواتف الذكية حديثا ساخنا بين معارض ومؤيد، واليوم يمكنك بضغطة زر، وفي أي مكان كنت أن تنتقل من قراءة جريدة عبر جوالك المرتبط بالشبكة إلى تحويل مبلغ مالي إلى معرفة تفاصيل صديق تعرفت عليه في عالم افتراضي. في زمن مضى، كان العالم الافتراضي جزءاً من خيالك، تهرب إليه حين تتعب من واقعك والآن هو جزء من حياتك. لنتحدث عن مفهوم "التغيير" على المستوى الشخصي. المدرس على سبيل المثال حين يكون لديه أمل في تحسين أداء طالب، فإنه يتحدث معه، يعطيه حلولاً لمشاكله في فهم الدرس أو هضم المعلومة ويشجعه. والإنسان في علاقته الشخصية بهذا وذاك التي قد تمر أحيانا بفتور أو غضب أو سوء فهم لتصرف ما، وحين يجد أن الكلام يفيد ويحل مشاكل كثيرة، فإنه يتكلم ويوضح وجهة نظره كي يحافظ على ما تبقى من هذه العلاقة الإنسانية. لكنه حين يفقد الأمل تصبح اللامبالاة هي التصرف الوحيد الذي يناسبه والذي يجعله يتعامل وكأن الموقف لا يعنيه ولا يخصه. لنتحدث عن أمثلة أخرى، حين تقوم بتجربة بحثية ما، وتجد أنها فشلت فإنك تفكر بهدوء وتحاول أن تغير في شيء فيها علها تنجح وتجد الإجابة على سؤالك، لأنك تعرف أن هناك فرصة للتغير في ظروف التجربة وعواملها قد تنجح وقد تفشل مرة أخرى، نجاحك يعني أنك اخترت وسيلة التغيير المناسبة، وفشلك قد يجعلك تتعلم أن ما اخترته من وسيلة بحثية لم يكن مناسبا أو ناجحا؛ لذلك تفكر في شيء آخر في الحالتين، ولأنك مطالب بالإجابة على معضلة بحثية ستحاول أن تجرب وتجرب. البعض يؤطر مفهوم التغيير في إطار أسود، لذلك هو يخاف منه وقد يرفضه؛ لابد أننا جميعا نتذكر النقاشات الحامية حول الإنترنت والفضائيات اللتين أصبحتا وبكل هدوء الآن جزءاً من حياتنا اليومية نتقبله ونتعامل معه. التغيير لا يعني التجرد من كل ما تعودنا عليه ونعرفه، قد يكون فقط إعادة صياغة لمعطيات متجددة حولنا.