كنتُ في الجزائر حيث غابات الشجر والشعر ،السماء والأسماء، العصافير والمطر ، الشعراء والغاوون ،السفراء ولقاء الشرق بالغرب ...! أقام الأصدقاء في الديوان الوطني الجزائري عكاظية الشعر العربي هناك في دورتها الرابعة فدعيتُ لها برفقة الإعلامية الشاعرة النبيلة ميسون أبو بكر وصديقي دائما الشاعر نايف رشدان ، كان كل شيء مذهلٍا مكتملا ،بدءاً بقامات الشعر والنقد مرورًا بمنتجع ( الشرتون ) الذي كان محل إقامتنا ، وانتهاءً بالحفاوة الرسمية والشعبية والرعاية العليا للمهرجان فضلا عن قدرة الوجوه ، كل الوجوه على إقناعنا بأن الشعر ذاكرة العربي ،تبعًا لذهولها الساكن في عيون الحضور مرّةً ، وفي مرايا الإعلام المرئي والمسموع والمقروء مرّات أخرى كثيرة .. في الجزائر كان الشاعر منا سفير التاريخ واللحظة المسكونة بالنبوءة منذ امرئ القيس حتى أحمد العواضي ، فضلا من أن الشعر ذاته في كل البلاد العربية التي حمل صوتها شعراؤها كان لايزال دهشة المطر وسنابل البحر ورفقة الضوء ، وأغنية الوطن ... بين كل تلك البهجة كنتُ استمع إلى صرخة صديقي الشاعر الجميل إبراهيم طالع الألمعي الذي التقيناه هناك حبًا وتعاضدًا واعتدادًا يفوح بأصالة المعدن ونقاء السريرة ..كان يلجُّ بسؤاله هناك ثم ينشره هنا في صحيفة الوطن ... لماذا عكاظ هنا في جزائر الحرية وما تعاكظت الإبل إلا بين مكّة والطائف ؟! ، فأضيف على سؤاله أسئلة تتكاثر بتكاثر أحلامنا بنا وأمنياتنا لنا ، لماذا لايكون التعاكظ ذلك في مقرّه المعقود في ذمة التاريخ منتجعا ثقافيا متكاملاً ترتاده الأفئدة المسكونة بالشعر والتاريخ في ذات موعده القديم ، طالما كنا قادة ومثقفين معا معتدّين بموروثنا الإبداعي ، نتواصل معه بالتدارس والتباحث والبذل ، مدركين لأصالةِ الضوء فينا ، صحيح أن هناك تحرّكاً كبيراً في هذا الصدد وشعلة تنويرية يقودها الأمير الشاعر خالد الفيصل .. لكننا في المقابل نحتاج بعضا من حضور الجزائر في عكاظنا ..حينما كانت الجزائر كلها عكاظًا على مدى أسبوع كامل ... هو كرنفال عربي جزائري أخذ من جزيرتنا قبَسها التاريخي حتى لايسقط من الذاكرة إلا لؤما بينما ترك لنا على لسان صديقي الألمعي سؤالا حزينًا تبعناه بأحلامنا التي لاتنتهي عند حدود التهيؤ ، ولا تتفاءل بتحقُّقها لحظتنا الراهنة برغم بداياتنا المتوثّبة ...