** هناك فلسفتان إداريتان مختلفتان تماماً.. ** تقوم إحدى هاتين الفلسفتين على دمج الوزارات والمصالح والتخصصات ذات الطبيعة التكاملية إلى بعضها البعض.. ** فيما تقوم الأخرى على أساس فصل التخصصات..المتقاربة..أو المتشابهة..ومنع التداخل بينهما.. ** ومن الواضح إن لكل من الفلسفتين أسانيده..ومبرراته المنطقية المقنعة أيضا.. ** وقد دخلت الإدارة الحكومية لدينا هاتين التجربتين أكثر من مرة..كان آخرها منذ بضع سنوات عندما فصلت الشؤون الاجتماعية عن وزارة العمل..وربطت الكهرباء بالمياه بدلا من الصناعة..وفصلت المياه عن الزراعة..وفصل الاقتصاد عن المالية وربط بوزارة التخطيط..وألحقت الثقافة بوزارة الإعلام بدلاً من الرئاسة العامة لرعاية الشباب..ومؤسسة خدمات البرق والبريد والهاتف..مع وجود وزارتين للإشراف العام على هذه الخدمات.. ** وقبل ذلك بسنوات كان قد تم فصل الأوقاف عن وزارة الحج وربطت بوزارة الشؤون الإسلامية لتصبح وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد..وأصبحت هناك وزارة مستقلة للعدل.. ** وفي الوقت الذي قامت فيه كيانات أخرى جديدة أكثر حيوية مثل الهيئة العامة للاستثمار وللكهرباء.. وللمدن الصناعية..وللإسكان..وللسياحة والآثار.. ** وبصرف النظر عن مدى سلامة عملية الفصل أو الدمج..فإن التجربة وحدها هي التي حددت وتحدد مدى الحاجة إلى استمرار هذه العملية وفقا للممارسة الحقيقية..وتبعا للعوائد المتحققة من وراء هذه التطبيقات.. ** وإلى جانب ذلك فان هناك دعوات متكررة في الآونة الأخيرة..بضرورة الأخذ بفكرة الإدارة المحلية..ورفع مستوى الرئاسة العامة لرعاية الشباب إلى وزارة للرياضة..ووزارة للشباب.. وإيجاد وزارة للسكان..وأخرى للتعاون الدولي..ووزارة للأسرة..وتطوير مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا لتصبح وزارة للذرة والبحث العلمي..وفصل الثقافة عن الإعلام في وزارتين مختلفتين..وإيجاد وزارة للتنمية الإدارية بدلاً من وزارة الخدمة المدنية ورفع مستوى ديوان المراقبة العامة إلى وزارة رئيسية للمحاسبة والرقابة والنزاهة..وسواها من الأفكار والتصورات والاتجاهات والمقترحات.. **وهي ولا شك تصورات جميلة..وتحتاج إلى وقفات طويلة..وعميقة..للبت فيها.. ** لكن ما لفت نظري..هو ما قرأته عن دعوة معالي وزير الإعلام والثقافة الدكتور عبدالعزيز خوجة إلى ضرورة فصل الثقافة عن الإعلام..حتى لا تجيء إحداهما على حساب الأخرى.. ** وعندما يجيء هذا الكلام من وزير جمع بين المهمتين..وبعد أقل من سنة من تكليفه بهما فإنه يؤكد أمرين مهمين هما: ** أولاً: أن الوزير خوجة يفكر في المصلحة العليا بعقلية وطنية..غير استيلائية..ومبرأة من الأنانية وحب السيطرة والاستحواذ وجمع العديد من المهام والمسؤوليات بين يديه.. ** ثانياً: أن الوزير قد اكتشف حقيقة أن الإعلام شيء..والثقافة شيء آخر..وأن كلاً منهما جدير بأن يستقل بنفسه إذا أردنا لكلا القطاعين أن ينهض وان يواكب مرحلة التطور التي تشهدها المملكة وأن يحقق القدر الأوفى من التركيز لخدمة الوظيفة الإعلامية المتشعبة في عالم مفتوح..وفي ظل حروب ضارية..وتوجهات علمية وعالمية ضخمة لبلد كالمملكة العربية السعودية يتوجب عليها أن تظهر بصورة صحيحة وقوية وقادرة على التأثير ومواكبة دعوة المليك إلى التعايش بين دول وشعوب العالم.. ** في الوقت الذي تتطلب فيه الثقافة تركيزاً أكبر لتغيير الكثير من المفاهيم..والقيم ..والرواسب الفكرية ..وترقية التفكير العام ..وبناء أجيال على درجة كبيرة من الترابط والانتماء والتواصل مع الحضارات الإنسانية الأخرى.. ** وبالتأكيد فإن هذا التفكير الحضاري الذي عبر عنه الوزير (خوجة) يجد صدى قوياً في كل الأوساط..وكم أتمنى أن تتم ترجمته إلى فعل..لا سيما وأن الإعلام وحده..مهمة خطيرة..وأنه يتطلب بالفعل إعادة صياغة كاملة..لسياساته..وأنظمته..ولوائحه..وهياكله..وكوادره بحيث ترقى إلى مستوى المهام والمسؤوليات التي تفرضها مكانة المملكة العربية السعودية الروحية..والاقتصادية..والسياسية..في هذا العالم.. *** ضمير مستتر: ** (بعض العقول يبصر الحقيقة..وبعضها يتجنب الاصطدام بها).