حين تتنصل الأشياء في سلّمها الواقعي وتسير عبر سلسلة من اللحظات والعبارات الدالة على وقعتها المحضة والمتأملة في شجونٍ مسبقٍ عن معنى الوجود المتأهب للأحداث التي تسير بنا نحو موجزٍ من كتابٍ مفتوحٍ وغامض؛ تارة تدركها عقولنا وأخرى نفوسنا، ولعل الضمير بين هذين الجوهرين؛ أي العقل والنفس، كي تعيش حياة فاصلة بين ما تحققه من أمنيات وبين ما تستنبطه من العالم الخارجي، فالذي حققته أضحى بين يديك أو قل تحت ناظريك. لكن ماذا عن ذلك المركون خارج حواسنا نفكر فيه بعقولنا؛ كرحلةٍ بريّةٍ مثلًا أو شيئًا ثمينًا تريده النفس ويتخيله العقل؛ حتى لو لم تشاهده الحواس فيكفي أننا قرأناه في كتابٍ أو حدثنا أحدٌ عن هذا الذي نرغب في امتلاكه أو شاهدناهُ بعينٍ مجردة فاحصة. فالحياة حين تتأهب للنفوس المتشوقة والمفكرة على الدوام نحو إرادةٍ مطلقة ومفهومٍ أوسع في المخيلة العقلية، فهذا الاستنباط هو وحيٌ من كل الموجودات التي شاءت أن تكون ساكنة بظاهرتها متحركة بذاتها، وتجد نفسها كامنةٌ في عقلك الصغير إن شاء أن تفكر بها فهذا هو المجهود المُبين فترابط الجزيئات الصغيرة شيئًا فشيئًا تكون كبيرة. وبهذا يضحى عقلك كبيرًا كالمطلع على المعارف يزيدُ يومًا عبر يومٍ بمعلوماتٍ كبيرة وكثيرة، وإن تركتها بلا مجهود في التفاعل معها سيكون عقلكَ ساكنًا وترى كل المحيطين من حولك تغيروا وبالطبع إلى الأفضل. فكل ما تفكر به سيكون لك فقط أن تسير بخطواتٍ متسلسلة قد تقفز إلى الأمام؛ ولكنها مخاطرة كبرى لا بد من دراستها مسبقًا والاطلاع على سنن الأولين من حالفه الحظ أو من ساء له الطالع، فهذه أنباء توردها لنا طبيعتنا الضامرة في كل وجداننا. فكل إنسانٍ له رسالةٌ في اتجاه حياته الخاصة ونبأً للأجيال القادمة عندما تقرأ حكايته أو تسمع أحاديثه وتراه بعقلها كأنه شاخصٌ أمامها، كقصة المتنبي مثلًا أو نابليون أو حكايات ألف ليلى وليلى نقرأ لياليها ونستحضر شخوصها وكأننا في محاكاةٍ معها.. يا لها من قصةٍ وعبرة! ومن الصعب بمكان استحضار الماضي بكل ما فيه من تفاصيلٍ وطقوس، ولكن العقل هنا قادرٌ أن يخلق صورةً ماثلةً أمامك؛ لتعيش أجواءً من الزمن البعيد بعبقهِ وأنفاسهِ والوانهِ فقط حين يكون ساكنًا للعالم الخارجي ومتأملًا في صمتٍ وانصات للحظة الزمنية كأنك تُقفُها ولا تتركها قاطرة في طريقها المداري. عش في فلسفةٍ هانئة لا متضجرة أو مستكبرة تعتقدُ في عقيدتها أن كل الموجودات لا أصل لها أو في صحيح العبارة موجدٌ لها (وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) كل ما تراه أو تقع عليه عينك هي أنباءٌ وبيان، إن شاءت بصيرتك في قراءته قراءة صحيحة ستجد ذاتك نورانية تعيش في نرفانيتها الصمدية؛ كأنك تملك كل شيء، فقط تمعن للحظة الهادئة المدركة لكل الموجودات، هو ذا محيطك الخارجي مطويٌ في عالمك الأكبر. أما الذين في قلوبهم لوثةٌ من سوءِ الضن على كل ما تقع أعينهم عليه فأبصارهم عليها غشاوة لا ترى شيئًا أبدًا؛ فقد صغرت عقولهم في لحظةٍ اضاعوها وهم لا يشعرون، فكان منطقهم النكران لما هو كل جميل. ففلسفة الجمال أن تقرأ تفاصيل الأشياء بمحورها المتأمل فيك كأنها تراك لتراها معك في طبيعةٍ واحدة مثل الزهور الجميلة حين نراها نتخيلها شاخصةً أمامنا كأن لها أحداقًا متأملةً في عيوننا.