من «مجالس القهوة» في الثقافة العربية حيث كان الشعراء يتبادلون قصائدهم إلى «المقاهي الباريسية» التي احتضنت معظم فلاسفة القرن العشرين، وحتى «الكوفي شوب» الحديث الذي أصبح ملتقى لرواد الأدب والسينما والفن. جعلني أؤمن أن القهوة رمز عالمي للحوار والانفتاح الفكري، حينها تتبعتُ تاريخ وأساطير بعض المقاهي، عشت بداخلها ورأيت زواياها القديمة في مخيلتي وشاهدت شخصاً يدون ملاحظاته عن الحياة إلا أنه كان شخصاً صارماً في الكتابة، ومع ذلك أخذ من المقهى فضاءً للتأمل واستلهاماً لشخصياته وحكاياته، كان يجلس في مقهى الفيشاوي أو مقهى عرابي في القاهرة، يراقب ويدون ويستنبط تفاصيل تترجم لاحقاً إلى أعمال روائية خالدة، بالنسبة له كانت القهوة ليست فقط رفيقة الصباح بل أيضاً بوابة الفهم وتحليل المجتمع أنه الكاتب (نجيب محفوظ)؛ فعرفت حينها أن هناك سرّاً ما وراء ارتباط (القهوه) بالإبداع؛ فهي توفر للكاتب أو المفكر شعوراً بالسيطرة على الوقت وأن مشروبها ومرارتها الخفيفة تمنح الذهن دفعة من الانتباه والتيقظ دون أن تفقده هدوءه. لم يكن الأدباء وحدهم من وجدوا في القهوة رفيقة وحتى الشعراء أيضاً لهم نصيب وافر منها فكانت ملاذًا شعرياً تُسكب فيه الأبيات كما تُسكب القهوة ها هو «محمود درويش» الشاعر الذي أبدع في التقاط المشاعر الإنسانية من جوهرها كان يرى في فنجان القهوة أكثر من مجرد عادة بل لحظة تمهيد لولادة كلمات، كأنها الجسر الذي يربطه بين الواقع والحلم كان يقول: «أريد رائحة القهوة.. أريد هدنة لمدة خمس دقائق من أجل القهوة..». حقيقةً أحد الكُتب ألهمني كيف أن القهوة والمقاهي تلعب دوراً رئيساً في تاريخ الأفكار مُنذ تأسيس المقهى في اليمن السعيد وثم انتقاله إلى مكة وبغداد والقاهرة ثم تطور إلى القسطنطينية، حتى بدأ رويداً رويداً يدخل إلى أوروبا. اليوم تستعيد القهوة والمقاهي الثقافية هذا الدور حيث تجمع الأرواح الباحثة عن المعنى والفكر النير لتولد لنا الأفكار بين رشفات القهوة، في ظل رؤية المملكة التي جعلت من المقاهي تحولاً جميلاً يمتزج فيه رائحة القهوة بفضاءات أدبية نابضة بالحياة، تعكس التزام وطننا الغالي بتعزيز الثقافة وجعلها جزءاً من المشهد اليومي، اليوم نشهد ازدهار المقاهي الأدبية في مملكتنا التي تحتضن الصالونات الفكرية، والأمسيات الشعرية، والحوارات الثقافية تماماً كما كانت المقاهي القديمة مهداً للإبداع في العصور الماضية. لهذا لم تكُن القهوة مجرد مشروب لهؤلاء الأدباء، بل كانت رفيقة الإبداع، ونافذة الكتابة ومحرضة على التأمل العميق. نجلاء الربيعان