تنطلق فعاليات السرد والرواية في الدرعية بالعاصمة الحبيبة الرياض، خلال الفترة من 30 يناير إلى 8 فبراير 2025، وبغض النظر عن المردود الأدبي والثقافي الإيجابيّ لهذا المهرجان السردي المنتظر، فإن الحديث عن الرواية بشكل عام باعتباره فناً أدبياً يسجل حضوره باستمرار، حديثاً شائقاً لدى شريحةٍ واسعةٍ من هواة القراءة والاطلاع، فما الذي يجعل للرواية هذا التوق الخاص، وهذه القابلية المختلفة لدى قارئها؟ في الواقع فإنّ العودة إلى أصول هذا الفنّ تاريخيّاً، تكشف لنا أنّ الإنسان بطبعه ميّالٌ للاستماع إلى الحكايات والقصص، وتتبع الأخبار والسيَر، ذلك لما في هذا السرد الحدثيّ من إثارة وتشويق ومتعة، تجعل الإنسان على المستوى الشعبي غالباً، في حالة من الإنصات والترقب لما ستؤول إليه الأحداث المرويّة، وقديما كان للمشافهة والسرد الكلامي قصب السبق في عالم الرواية والحكاية، في الكلام والحديث الشفهي سبق التدوين والكتابة بحقبٍ تاريخية عديدة، وكان الراوي الحافظ بمثابة الثروة، أو الكنز الثمين، الذي تشرئب إليه الأعناق كلما أطلق لسانه وذاكرته وهو يلقي على السامعين تلك الأقاصيص والسير، فكانت حكايات (ألف ليلة وليلة) على سبيل المثال أنموذجا لسحر الرواية الشفهية آنذاك ومدى تأثيرها البالغ على المتلقي، وكانت الملاحم العظيمة لدى معظم الأمم تعتمد بشكل كبير على الرواة الحفاظ، الذين يروون على الناس ما تكتنزه ذواكرهم من الأحداث والعبر، ولذا فليس من الغريب أن تظل الرواية وسرد الأحداث محل اهتمام كافة طبقات المجتمع، وخصوصا حين تحكي تفاصيل الحياة من زواياها المظلمة والدقيقة، ولم تكن الرواية قصرا على الأدب فقد كان يعول كثيراً على الرواة فيما يتعلّق بالنصوص الدينية ذات القداسة والأهميّة المتناهية، ولم يكن يتصدى لرواية النصّ الديني إلا منْ عُرف بالصدق، والفهم والخلو من (الجرح والتهمة الروائية)، كما كان لما يُروى ويكتب دورٌ مهمٌ في توجيه الفكر، وفي إرساء الكثير من القيم والمبادئ، وظلت الرواية في هذا الإطار من الأهمية بمكان، حتى تجسّدت في العصر الحديث بهذا الحضور الطاغي والإقبال المختلف، كفن أدبي أخاذ له أصوله وعناصره واشتراطاته الفنيّة اللازمة، فاستطاعت القصة والرواية أن توازي صخب الحياة وأحداثها، وربما تتقاطع مع كل تفاصيلها، وأحداثها الحقيقية متخذةً من الخيال والحبكة والتركيب جسوراً من التواصل والتفاعل مع ذهنية المتلقي وذاكرته، وكلما برع الروائي في صناعة هذا النصّ السردي، وابتكار عوالمه وأزمنته وأمكنته، وسرد أحداثه ببراعة واتقان، كلما اندمج هذا النص مع مشاعر القارئ، حتى يأخذه هذا النص من عالمه الواقعي، إلى عالم الرواية والصور الحية في ثنايا الأحداث، وحتى ينتهي به إلى مشاعر مختلفة ما بين النشوة والمتعة، ولذة الفضول المعرفي، وهي مشاعر تستعصي الحضور إلا في روايةٍ متميزة فنياً وأدبياً، ومع ذلك فلا زال بيننا اليوم من يرى أنّ الرواية ضربٌ من تزجية الوقت ليس إلا وأن الأولى بالعقل البشري أن ينشغل بالواقع بدلاً من الخيال، وهنا سينبري آخرون في المقابل للوقوف في صفّ الرواية، واعتبارها عملاً أدبياً ليس من شأنه أن يضع الحلول ويرسم الاستراجيات المستقبلية، ولكنه يبعث الأسئلة ويفتح آفاق الرؤى فتبدو الحياة بشكلٍ مختلف، وربما أضافوا أنّه ليس من شأن الرواية أن تكون وثيقة تاريخية تحاكم من زاوية الصدق والكذب، بل هي في عوالمها السردية رؤية خياليّة تكشف في الغالب عن الجرح، وعلى قارئها أن يبحث عن العلاج بطريقةٍ أو بأخرى.