المثقف وعي يمشي على الأرض، له إسهاماته الفكرية والأدبية التي تحمل رسالة التنوير والتثقيف والتعليم، هو كنز مجتمعي ثمين، منه يبدأ التغيير وبه تدار عجلة التطور، فهو المتحدث باسم الناس، وهو المحمل بهموم المجتمع، والمنهك بالبحث والتقصي والقراءة والنقد.. كثير من المثقفين والكتاب والأدباء والمفكرين هرموا، وكثير منهم تواروا عن المشهد بعد أن أعطوا كثيراً من فكرهم ووقتهم وجهدهم، ولكن - مع الأسف - يعانون من قلة اهتمام مجتمعي، وكذلك تجاهل وسائل الإعلام رغم مسيرتهم الحافلة، حول هذه الإشكالية تحدث عدد من المثقفين، فماذا قالوا؟«تجاهل» تحدثت الكاتبة والشاعرة د. أميرة إدريس قائلة: المثقف والكاتب العربي يكدح من أجل أن يثري الساحة الأدبية بنتاجه الثقافي، ويرفع من شأن الثقافة، ويواجه معوقات كثيرة، مثلاً عند إصدار كتاب، أو ديوان شعري، أو رواية، وذلك قد يعود إلى تعنت بعض دور النشر، أو التكلفة المرتفعة للورق أو الحبر وما يلزم لإخراج الكتاب بالشكل الملائم، إضافة إلى مشكلة الترويج للكتاب، ما يجعل بعض الأعمال الأدبية غير معروفة محلياً، رغم كل هذه الصعاب نجد أن الكاتب يعمل بجهد كبير لإرسال إصداراته إلى أرجاء الوطن العربي، حتى يتسنى له التواصل مع المثقفين هنا وهناك، ويقوم بترجمة كتبه وإصداراته إلى عدة لغات حتى تنتشر أعماله بشكل أكبر إلى العالمية. ما سبق هو مجهودات ذاتية يتطلب تنفيذها جهداً ومالاً ووقتاً، غير أن بعض مجتمعاتنا يعاني رؤية خاطئة؛ حيث لا تعتبر المثقف والكاتب العربي سفيراً وممثلاً ثقافياً لبلده في المحافل المحلية والعالمية. وتكمل: ولا تتوقف المشكلات عند هذا الحد، حيث إن المعاناة والصعوبات تتزايد عندما يتجاهل الإعلام الكتاب والمثقفين، ولا نكاد نعرف عنهم شيئاً. وقد يحالف بعض المثقفين الحظ، وتسلط الوسائل الإعلامية الضوء على أعمالهم وسيرهم، وذلك بعد أن يتجاوزوا الستين عاماً، وفي بعض الأحيان لا يتطرقون إلى أسمائهم إلا بعد وفاتهم، ما يعتبر إجحافاً في حق المثقف والكاتب، لذلك يجب أن يكون أهمية اعتبارية مؤطرة بحماية قانونية تحترم جهده المعنوي والأدبي، وتضعه في مرتبة العامل الكادح؛ حيث تؤمنه في كل مراحل حياته من الشباب إلى الشيخوخة، وتحفظ له كرامة وعزة ذويه من بعده لتقيهم من نوائب الدهر. وتضيف: وفي زمننا هذا للأسف الذي يتميز بالإيقاعات السريعة لنمط الحياة، لم يعط المثقف حقه من الاهتمام والتقدير كما كان سابقاً، رغم انتشار وسائل التواصل والإعلام الإلكتروني، والدليل على ذلك أننا كنا نعرف كتاباً، أسماؤهم محفورة في ذاكرة الزمن، بينما في هذا العصر الحديث لا نعرف عنهم كثيراً، وذلك يرجع إلى افتقارهم إلى الدعم المالي والمعنوي، لذلك - وكما أسلفت - يجب الاهتمام بالمثقف والكاتب، ويجب تكريمه ومساعدته على نشر وترويج أعماله، سواء كان كاتباً أو شاعراً أو قاصاً أو روائيًا أو باحثاً، وبث الوعي في الناس من خلال تعزيز أهمية الثقافة والقراءة والتحصيل المعرفي وزيادة دور النشر، وأن تكون هنالك جهة تحفظ حق الكتاب عندما يتقدمون في السن، مثل صندوق ضمان اجتماعي يحمي المثقف مادياً. «تطلع» ويقول الأستاذ الدكتور عبدالرحمن رجا الله السلمي، رئيس قسم اللغة العربية بجامعة المؤسس: بعد أن ينضج المثقف من الناحية الإبداعية والنقدية يتطلع إلى نشر تجربته وتقديمها للقراء، ويعمق التجربة ويجذرها ويجعل لها امتداداً في المشهدين الثقافي والأدبي. ويتطلع المثقف إلى إنصافه من خلال إتاحة المشاركة له، ويقدم أعماله للمشهد المحلي، وأن يكون سفيراً خارج حدود وطنه، ويسعى المثقف إلى أن تتم مساعدته في تسهيل نشر مشروعه الإبداعي والثقافي، من خلال نشر كتبه ورقياً أو إلكترونياً في أوعية النشر المعرفية.. كما يتطلع إلى ترشيحه للجوائز المحلية أو الإقليمية، وتبني ذلك من خلال مؤسسات المجتمع الثقافية، هذه التطلعات كفيلة بأن تبرز المثقف الجاد صاحب المشروع الذي يقدم إضافة إثرائية للمشهد الثقافي. «تفاؤل» وفي السياق ذاته، يقول عبدالهادي صالح - شاعر وناقد -: في ظني أن المبادرات التي أعلنتها وزارة الثقافة سيكون لها دور كبير في إنصاف المثقف وحمايته، وبخاصة أن المشروع الثقافي اليوم في المملكة العربية السعودية تنويري، ويواكب رؤية 2030، ويسعى إلى تنمية القطاعات الثقافية والفنية بما يثري نمط حياة الفرد، ويشجع على التعبير والحوار الثقافي، وتوفير بيئة تشجع المبدعين والموهوبين، وتفعيل القوة الناعمة في مواجهة القوى الأخرى بالفنون والآداب، وتم تعيين مثقفين شباب لإدارة هذه المبادرات، والجميع يعلم أن وزير الثقافة سمو الأمير بدر آل سعود يعمل بجد واهتمام للنهوض بالثقافة السعودية، والاستماع إلى المثقفين، وتبادل الآراء معهم في لقاءات ودية ليس آخرها اللقاء الرمضاني في جدة التاريخية هذا العام. وزاد: سيبقى الاعتراف بتجربة التشكيلي أو الشاعر أو الروائي وسواهم رهيناً بجودة التجربة نفسها، ومدى تأثيرها في تخصصها وبروزها من حيث الابتكار والتجديد، واستمرارها في العطاء والإنتاج وخدمة المجتمع أيضاً، أما الالتفات إليها فليس من مسؤولية المبدع، بل من مسؤولية الجهة ذات العلاقة وهي تتابع عن كثب الحركة الثقافية ومبدعيها، والجيل المثقف الشاب في المملكة اليوم جيل لا يستهان بتجاربه على الإطلاق، وإتاحة الفرصة له مطلب ضروري، وقد رأينا بعض التجارب الشابة في الرواية والسينما والشعر والموسيقى، سواء في معرض الكتاب في الرياضوجدة أو الجنادرية وسوق عكاظ. ويختم: لست مع جلد الذات، ولست متشائماً، ومستقبل الثقافة في المملكة في نمو وازدهار، وكفيل بالتفات العالم إلى المنتجات الثقافية، التي تصدر عن مبدعين سعوديين في مجالات مختلفة، والوقوف احتراماً وتقديراً لها. «إنصاف» وبدوره يرى الدكتور علي الرباعي، أن المثقف الحقيقي لا ينتظر هو - حقيقة - أن يكون البشر مجاملين أو ينتظر أحداً ممن يعيش معه أن ينصفه، هذا أشبه بالصدف أو الأقدار، أحياناً يكرم الإنسان في حياته ويلتفت لتجربته، وأحياناً لا يلتفت له أحد إلا بعد أن يرتحل من هذه الفانية، وأتصور أن المثقف الحقيقي لا يلتفت إلى هذه الأشياء، هو يلتفت فقط لتجربته ومشروعه لينجزه، والأيام وحدها والشرفاء كفيلون بأن ينصفوه وإن بعد حين. «توازن» أما الكاتب مسفر العدواني فيقول: قبل أن نتطرق لموضوع الإنصاف، أرى أن يُسارع المبدعون في كل المجالات إلى الالتحاق بالمؤسسات الثقافية، وحضور فعالياتها، وطرح ما لديهم عبر منابرها، خاصة فئة الشباب؛ ليتم صقل مواهبهم من خلالها وتقييم تجاربهم، فنحن في أَمَسِّ الحاجة إلى جيل واعٍ ثقافياً ومؤسسياً.. أما مسألة الإنصاف فهي مقسمة بين المثقف والإعلام، بمعنى على المثقف المبدع الاهتمام بتجربته، والاشتغال على نفسه بكل عمق وتأنٍّ، ولا يأتي ذلك إلى من القراءات المتتالية والمشاركات المتعددة، والتركيز والشعور بما يقرأ وبما يكتب وبما يقول.. أما القسم الثاني فهو الإعلام، وعليه مسؤولية إبراز المثقف المبدع واستكتابه وطرح تجربته للنقاش والوقوف بجانبه، وطبعاً هذا لا يكون إلّا بالإعلام النزيه والشفاف والصادق والبعيد عن الشللية والتطبيل. ويستطرد: إن الإعلام يستطيع أن يصنع من اللّا شيء شيئاً كبيراً متى ما أراد ذلك، لكن لا يبقى مضيئاً في سمائه إلّا المتمكن، ويظل الحكم الأول في هذا الأمر هو القارئ وجودة ما يطرح.. ويكمل: هناك شيء آخر هو أن بعض فئات المجتمع لا تقرأ إلّا لكُتّاب معينين حتى إن كان نتاجهم ليس باهراً وثقافتهم ليست متمكنة، ويهمش آخرين ربما أنهم أجود، وهذه إشكالية أخرى تقف ضد الجيل الجديد المبدع.. ومع ذلك ليس كل المثقفين والكّتاب لم يتم الاعتراف بهم وبتجاربهم، فهناك كثير منهم يتصدر الصحف والمنابر والمهرجانات والملتقيات، وهناك كثير أيضاً تم تكريمهم، لكنّي هُنا أرى أن نتجاوز ثقافة تبجيل الصف الأول من المثقفين والكتاب إلى صفوف أخرى لديها الأجمل والأفضل، وهم فقط يحتاجون تسليط الضوء عليهم.. إن التوازن مطلب حقيقي يحتاجه المجتمع، والإعلام هو المسؤول عن ذلك، ومن هُنا وعند هذه المسؤولية أقول: أيها الإعلاميون نقّبوا عن المبدعين الجدد، وستجدون كنوزاً ثقافية لا حصر لها. السلمي: يتطلع لتوثيق مشروعه صالح: مبادرة الإنصاف مطمئنة إدريس: ينتظر القيمة الاعتبارية الرباعي: متروكة للصدف والأقدار العدواني: الجيل القديم بالمرصاد