الكتاب من هذا المنطلق يقدم رؤية بانورامية توضح الكيفية التي ساهمت فيها الجغرافيا، ليس فقط في تشكيل العالم الذي نعرفه، وإنما أيضًا - وهو الأهم - في إطلاق العنان أمام المرء لتخيل خريطة جديدة للعالم تذكر بالخريطة التي تشكلت في القرن العشرين والتي جاءت نتاجًا للحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الباردة وصولًا إلى انهيار الشيوعية مع بداية عقد التسعينيات (التي غيرت شكل الخريطة الأوروبية).. ويؤكد هنري كيسنجر في قراءته للكتاب على حقيقة قديمة تنص على أن الجغرافيا تعد العامل الأكبر في تحديد مصير الدول منذ مصر الفرعونية وصولًا إلى الربيع العربي. الجغرافيا محرك التاريخ يبني المؤلف رؤيته على أساس الاكتشافات والنظريات التي صاغها الجغرافيون والمفكرون في مجال الجيوبوليتيك (تحليل اثر الجغرافيا على علاقات القوة في العلاقات الدولية) في الماضي القريب والبعيد، والنظر إلى الخلف نحو مفاصل التاريخ المهمة، ثم النظر إلى الساحة العالمية الراهنة بتطوراتها المتسارعة كمنطلق لرؤية مستقبلية للعالم.. وهو في هذه الرؤية يتتبع مسار البقع الساخنة في العالم من خلال دراسة المناخ والطبوجرافيا..الخ، ثم يشرع في تطبيق الدروس المستفادة في الأزمات الحالية في أوروبا وروسيا والصين وشبه القارة الهندية وتركيا وإيران والشرق الأوسط العربي. ويعتبر كابلان أن الحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الباردة، بأنها كانت جميعها صراعًا حول الأرض وليس حول الأيديولوجيات، وأن الجغرافيا، وليس الأفكار، هي المحرك الأساس للتاريخ، وأن الدول تتفوق اجتماعيًا عندما تقع على مفترق طرق، وأن الحقائق الجغرافية هي التي تفرض سيطرتها على السياسة وتفرض الحدود الجديدة . الربيع العربي كان المعتقد بعد تنامي ثورة الاتصالات ان تلقى الجغرافيا الهزيمة، بعد أن أتت القنوات الفضائية وشبكات التواصل الاجتماعي بشريحة موحدة من المحتجين في أماكن متعددة من العالم العربي، شرقه وغربه، هذه الشريحة التي توحدت تحت مظلة التعطش إلى الديمقراطية بدت لأول وهلة وكأنها تتحدى الجغرافيا وتلغيها من خلال تواصل الجماهير العربية وانتقال عدوى الثورة في تونس إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا من خلال التليفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، لكنها في نظر كابلان لا تعدو كونها البداية لعملية تغيير شاملة ستغير خريطة المنطقة، وهو يقول بهذا الصدد إن تلك الثورات نجحت في الإطاحة بالحكام الطغاة في تونس ومصر وليبيا واليمن لكن الديمقراطية لم تأت بعد، وقد يستغرق ذلك وقتًا طويلًا. ويرى المؤلف في الإجابة عن السؤال لماذا كانت انطلاقة شرارة الثورات العربية في تونس أن ذلك حدث لأن تونس تتمتع بميزة جغرافية تتضح في تقارب مناطقها الآهلة بالسكان، وهو ما أهلها لتكون مركزًا حضاريًا في شمال أفريقيا منذ القدم. خريطة أوروبية جديدة يرى المؤلف أن الجغرافيا هي التي حددت تاريخ الشرق الأوسط الذي يعتبر منذ فجر التاريخ منطقة تقاطع حضارات ومصالح، وأن ظاهرة التدويل التي أصبحت تفرض نفسها الآن في الصراعات الدائرة في المنطقة ليست جديدة، ذلك أن الجغرافيا حكمت على المنطقة بالتدويل منذ مطلع التاريخ. ويميل المؤلف إلى استبعاد مصطلح «الشرق الأوسط الكبير» الذي استحدثه الرئيس جورج دبليو بوش الابن والذي يمتد جغرافيًا - حسب تصور بوش - من المغرب إلى أفغانستان.. وهو يستخدم بدلًا من ذلك مصطلحًا يسهل تفكيكه ويخدم رؤيته للخريطة المستقبلية للمنطقة، هو مصطلح «الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» وهو يعني بشمال أفريقيا مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، حيث يرى أنه على المدى البعيد ستصبح تلك الدول جزءًا من أوروبا، بمعنى أن المتوسط سيصبح بحيرة أوروبية خالصة!. وهو يحاول تأكيد رؤيته بعيدًا عن التفسير الاستعماري بالقول إن للاتحاد الأوروبي علاقات متعددة الأوجه مع تلك المنطقة، وهي علاقات متداخلة وذات أبعاد مختلفة: تاريخية وحضارية وثقافية وجيوسياسية، تبلورت من خلال دولة قرطاج في تونس التي كانت تعتبر مركزًا حضاريًا إشعاعيًا في شمال أفريقيا، والإمبراطورية الرومانية التي كانت مصر إحدى دررها، ثم في الوجود العربي الإسلامي في الأندلس على مدى سبعة قرون، وفي الوجود العثماني الإسلامي في البلقان على مدى أربعة قرون، وأيضًا من خلال الحروب الصليبية، ثم أخيرًا عندما أخذ جنوب المتوسط الأوروبي يتحكم في الشمال الإفريقي.. (هنا لابد من الربط بين هذه الرؤية ومشروع الاتحاد من أجل المتوسط الذي دعا إليه الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي ثم تعثرت خطواته بعد أن بدأت تظهر بعض ملامحه الاستعمارية). تنبؤات كابلان يتضمن كتاب كابلان العديد من التنبؤات بالنسبة لمستقبل عدة دول يعتبرها أطرافًا مهمة في تشكيل عصر ما بعد العولمة التي اعتبر أنها فشلت، وفي رسم خريطة جديدة للعالم على رأس تلك التنبؤات أو الرؤى المستقبلية انتهاء عصر الهيمنة الأمريكية على العالم، وهو يعزي ذلك إلى عدة أسباب أولها جغرافي، وهو ما يتمثل في تنبؤه بضعف الجارة المكسيك وتحولها مستقبلًا إلى دولة فاشلة، الأمر الذي سيؤثر سلبًا على جارتها القوية، خاصة في ظل تراجع الاقتصاد الأمريكي، والتنامي المتسارع للاقتصاد الصيني والنفوذ الصيني عبر العالم. السبب الثاني في نظره الأخطاء العديدة التي وقعت فيها السياسة الأمريكية في تعاملها مع الأزمات الدولية ويتمثل الخطأ الأكبر في تصور واشنطن أن انهيار سور برلين سيكون بداية عصر جديد لعالم أكثر ازدهارًا وسلامًا، لكن ما حدث في العراق بعد ذلك أثبت العكس، كما أخطأت أمريكا مرة أخرى عندما تصورت أن النجاح الذي حققته في البوسنة والهرسك يمكن تحقيقه في الشرق الأوسط، خاصة على صعيد التقليل من الفوارق العرقية والطائفية بين القوى المتنازعة، وهو ما لم يتحقق على أي مستوى في العراق.. وهو يرى في المحصلة أن أمريكا لم تتعلم من خطئها في فيتنام، وأنه لن يكون في وسعها التأثير مستقبلًا على منطقة الشرق الأوسط لسببين: الأول أن الشرق الأوسط سيواصل الغوص في مستنقع الفوضى، والثاني أن محاولتي أمريكا في السيطرة على هذه المنطقة من خلال حربيها في أفغانستان والعراق فشلت.. وهو يرى من جهة أخرى أن الغرب سيفشل في فرض قيمه وثقافته على العالم أيضًا كما ستنصرف الولاياتالمتحدة عن الاهتمام بالشرق الأوسط بسبب انشغالها بالمكسيك والصين. وتشمل رؤية كابلان للمستقبل وجود مصلحة لباكستان في استمرار تفكك أفغانستان، لأن ذلك سيساعدها - على حد قوله - في صراعها مع الهند لجهة أنه يسهل لباكستان استخدام أراضي جارتها أفغانستان في هذا الصراع، وهو يعتبر باكستان أسوأ كابوس في شبه القارة الهندية نتيجة افتقارها للمنطق الجغرافي على حد وصفه. لاشك أن للكتاب أهميته كونه يلقي الضوء على موضوع الساعة (إعادة رسم خريطة العالم)، لكنه لا يجانب الواقع في كثير من الأحيان، فأوربة دول عربية إسلامية في شمال أفريقيا عدا كونه ضربًا من المستحيل، فإنه سيشكل خطرًا على أوروبا نفسها، خاصة في حالة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، لأنه ببساطة سيزيد من المد الإسلامي في القارة الأوروبية، كما أن قول المؤلف إن من يسيطر على أوروبا الشرقية يسيطر على العالم يدعو إلى الغرابة. ويذكر أن المؤلف هو من أقنع كلينتون بالتدخل في البوسنة والهرسك لوقف مجازر الصرب ضد المسلمين هناك، وكان أحد الذين أثروا على الرئيس بوش الابن للتدخل العسكري في العراق، وإن كان أبدى ندمه بعد ذلك، حيث يذكر في الكتاب أنه أدرك معنى انتقام الجغرافيا عندما كان يتجول في الشوارع الخلفية لبغداد بعد السقوط.