هذا السؤال صدر آنذاك من طالب علمٍ- كما صرّح الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله- ومن ثمّ فهو سؤال ينبثق من فهم خاص لخلفية الموقف الشرعي.. قبل أكثر من ثلاثة عقود، وتحديدا في 3/5/من عام1397ه الموافق لعام 1977م، ورد سؤال للعلّامة مفتي عام المملكة العربية السابق الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله، لخصه هو رحمه الله بقوله: "السؤال عن حكم من درس القوانين الوضعية أو تولى تدريسها هل يكفر بذلك أو يفسق؟ وهل تصح الصلاة خلفه؟" هذا السؤال صدر آنذاك من طالب علمٍ- كما صرّح الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله- ومن ثمّ فهو سؤال ينبثق من فهم خاص لخلفية الموقف الشرعي العام لعلماء الإسلام من القوانين الوضعية، أي المخالِفة للشريعة الإسلامية. وموقف علماء الإسلام تجاه القوانين الوضعية، لخصه العلامة المفتي الأسبق الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في رسالته: (تحكيم القوانين). وكذا الشيخ ابن باز رحمه الله في رسالته: (وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه)، إضافة إلى عدد من المؤلفات والفتاوى الصادرة عن عدد من كبار علماء الإسلام في عدد من الأقطار آنذاك. غير أنَّ السؤال ذاته لم يكن عن حكم القانون الوضعي كما هو واضح، وإنَّما كان عن حكم دراسة القانون الوضعي وتدريسه والآثار المترتبة على ذلك كما سبق. ويهمني هنا: الحديث عن خلاصة الفتوى فيما يتعلق بدراسة القانون وتدريسه، في القسم الجائز الذي لا حرج فيه دون غيره؛ لأنَّ المراد هنا بيان الأغراض المشروعة، التي حرّرها الشيخ رحمه الله باجتهاد علمي موضوعي مقاصدي أصيل، وفي وقتٍ مبكّر؛ ومن شاء التفصيل، فيمكنه الرجوع لنص الفتوى في المجلد الثاني من (مجموع فتاوى ومقالات الشيخ عبد العزيز بن باز) رحمه الله. بدأ الشيخ رحمه الله فتواه بتأكيد المبدأ المتفق عليه، بوصفه مدخلاً مهماً لصياغة جواب علمي مقنع للسائل ولغيره ممن قد يشكل عليهم الأمر؛ وذلك بقوله رحمه الله: "لا ريب أن الله سبحانه أوجب على عباده الحكم بشريعته والتحاكم إليها، وحذَّر من التحاكم إلى غيرها، وأخبر أنه من صفة المنافقين، كما أخبر أنَّ كلَّ حكم سوى حكمه سبحانه فهو من حكم الجاهلية، وبين عزّ وجلّ أنَّه لا أحسن من حكمه، وأقسم عزَّ وجلَّ أنَّ العباد لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً من حكمه بل يسلموا له تسليماً، كما أخبر سبحانه في سورة المائدة أنَّ الحكم بغير ما أنزل كفر وظلم وفسق، كلّ هذه الأمور التي ذكرنا قد أوضح الله أدلتها في كتابه الكريم". ثم أخذ رحمه الله يُفَصِّل في بيان حكم المسألة؛ فذكر أنَّ الدارسين للقوانين الوضعية والمدرسين لها، يختلف حكمهم بحسب أحوالهم؛ فقد قال رحمه الله: "أمَّا الدارسون للقوانين والقائمون بتدريسها فهم أقسام: القسم الأول: من درسها أو تولى تدريسها؛ ليعرف حقيقتها، أو ليعرف فضل أحكام الشريعة عليها، أو ليستفيد منها فيما لا يخالف الشرع المطهر، أو ليفيد غيره في ذلك؛ فهذا لا حرج عليه فيما يظهر لي من الشرع، بل قد يكون مأجوراً ومشكوراً إذا أراد بيان عيوبها، وإظهار فضل أحكام الشريعة عليها...". وأخذ يسرد الأدلة على ذلك ، ثم ذكر بقية الأقسام وأدلة حكم كلّ قسم، ونزّل الحكم على الواقعة المسؤول عنها، فبيّن أنَّها من حيث الأصل راجعة للقسم الذي لا حرج فيه. الذي يهمنا هنا: بيانُ الشيخ رحمه الله، للأهداف المشروعة من دراسة القوانين الوضعية وتدريسها؛ فقد ذكر أربعة أهداف: الأول: دراستها أو تولي تدريسها؛ لمعرفة حقيقتها. الثاني: دراستها أو تولي تدريسها؛ لمعرفة فضل الشريعة الإسلامية عليها. الثالث: دراستها أو تولي تدريسها؛ للاستفادة منها فيما لا يخالف الشرع المطهّر. الرابع: دراستها أو تولي تدريسها؛ ليفيد غيره في ذلك. هذا ما سمحت به مساحة المقال، وسأوضّح هذه الأهداف في المقال التالي إن شاء الله تعالى.