من عيون الشعر العربي في العيد و جديد العيد الذي لم يسمّ عيداً إلا لعودته كل عام بما يبهج النفوس و يسعدها قصيدة أبي الطيب المتنبي المعروفة : عيدٌ بأي حال عدت يا عيد .... بما مضى أم لأمر فيك تجديد أما الأحبة فالبيداء دونهم ........ فليت دونك بيداً دونها بيد و يبدو أن كثيراً من خطب عيد الفطر المبارك في عامنا هذا و في شتى أنحاء العالم الإسلامي كانت شبه مجمعة على أن عيد 1432 ه قد جاء فعلاً بالكثير من التجديد ، و أن ذلك التجديد فيه الكثير الكثير من الإيجابيات على الرغم من ما يكتنفه من المآسي و الآلام كما تسبق آلام المخاض الولادة مما يدعو ، و لا غرو ، للبهجة و التفاؤل بما سمي بالربيع العربي ، كيف لا ؟ و من كانوا بالأمس من الطغاة في مأمن من زعزعة العروش ، أو هكذا بدا لهم ، لا يبالي أن تقوم قواته الأمنية بإجبار المواطنين المعارضين بالنطق بألفاظ الشهادة باسم الرئيس بشار بدلاً من لفظ الجلالة الله كما شهدنا بالصوت و الصورة مراراً و تكراراً على شاشات الفضائيات تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً ، بينما لم يبال الطاغية معمر القذافي بتدمير البلاد و تعريضها للتفكك و التقسيم ، و اضطر الشعب الليبي الكريم إلى دفع خمسين ألف شهيد حتى الآن غير الجرحى و المفقودين ثمناً لخلعه و أبنائه من سدة الحكم. و لا تكتمل معاني ذلك التجديد الإيجابية من إزاحة بعض الطغاة و الطغيان عن وجه الأرض خصوصاً ضمن الإطار الجغرافي لعالمنا العربي إلا باستحضار المعاني الربانية في قوله تعالى ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ، و تنزع الملك ممن تشاء ، و تعز من تشاء ، و تذل من تشاء ، بيدك الخير ، إنك على كل شيء قدير ) ، فقد اقتضت الحكمة الإلهية بأن يكون التغير في الأرض بإيتاء الملك لمن يشاء و طبقاً لسنن الله في التدافع أن يكون ذلك بهدف الإصلاح ( و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ، و لكنّ الله ذو فضل على العالمين ) ، فلن يكون الربيع العربي ربيعاً عربياً إلا عندما تكون المحصلة النهائية للأحداث الجسيمة الجارية في عالمنا العربي هي قدر أكبر من الإصلاح في الدول التي تشهد الربيع العربي بل و تنعكس على المنطقة ككل و جعل وجه الأرض مكانا أفضل للعيش. ثمة في الربيع العربي مؤشرات نحو الأفضل أي نحو الإصلاح طبقاً للتعريفات الشرعية و مؤشرات في عكس الاتجاه ، ففي مصر مثلاً زال نظام مبارك و زالت معه تبعية سياسة مصر الخارجية لإسرائيل و أمريكا و الغرب عموماً و أخذت مصر تتدرج في عودة مكانتها الإقليمية من جديد و يكفي هنا الاستشهاد بعدد من القضايا منها الفتح النسبي لمعبر رفح و التخفيف عن الفلسطينيين الذين تحاصرهم إسرائيل ظلماً و عدواناً لسنوات ، و فتح ملف تزويد إسرائيل بالغاز المصري بطريقة جدية ، و بردة فعل مصر الرسمية و الشعبية على قيام إسرائيل بقتل ثلاثة من رجال الشرطة المصرية في سيناء دون ذنب في رمضان الماضي انتقاماً لعملية إيلات التي نفذها مجهولون و قضت على 8 إسرائيليين ، لكنّ مصر مهددة بأن يتغير دستورها جذرياً و بالتحديد تغير بنود أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة و أن الشريعة هي مصدر التشريع الرئيسي لها ، و لست أدرى كيف يمكن لمسلم يؤمن بالله و اليوم الأخر اعتبار ذلك تغيراً إيجابياً ؟! و ليبيا المسلمة السنية التي قدمت 50,000 شهيد كما أسلفنا لإسقاط نظام حكم القذافي الموالي لليهودية العالمية و للتشيع الإقليمي و مناوئ لكل ما هو عربي و إسلامي ، مهددة هي الأخرى بأن تدفع ثمناً باهظاً لمشاركة حلف الناتو و الدول الغربية الكبرى و على رأسها الولاياتالمتحدة و فرنسا بالحظر الجوي و العمليات العسكرية الجوية باختطاف نصر الثوار الليبيين لصالح الدول الكبرى و تحول المجلس الانتقالي إلى حكومة ذات نوع آخر من التبعية المقنعة للدول الكبرى بدلاً من ديمقراطية تخولها التقوى بشعبها للتعامل مع الغرب بالندية و الاستقلالية التي تفرضها تعاملات تبادل المصالح المشتركة الإنسانية. أما بالنسبة للمعارضة السورية المؤكد أن التوجهات الإسلامية تشكل جزءًا منها و ربما تتمكن في نهاية المطاف من تحقيق قدر من الإصلاحات بعد زوال النظام الطائفي النصيري ، لكن الغموض يكتنف الكثير من مكونات المعارضة السورية و من هي القيادات الحقيقية لحركة المعارضة السورية و إلى أين ستؤول الأمور بعد سقوط النظام السوري الذي أوغل في الدماء السورية الزكية. الإصلاح بكل أطيافه لاسيما الإصلاح العقيدي و الأخلاقي سيكون المحك الحقيقي لنجاح الربيع العربي ، و ربما تحوله طبقاً للقانون الإلهي لمداولة الأيام بين الناس( و تلك الأيام نداولها بين الناس ) لمشروع نهضة تاريخي للأمة و تبوئها مكانة الصدارة من جديد ، و يتطلب ذلك وقتاً و توجهات واضحة نحو التمكين للمنهج الرباني في الحياة ، و الله نسأل إذا جاء العيد عامنا القادم أن تكون تحولت الثورات العربية إلى ربيع عربي حقيقي يقيم منهج الله في الأرض يحارب الاستبداد و الفساد في الأرض. و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون.