كثيرون هم الذين يتولون الحكم ويتبوأون سدة الحكم.. لكن القليل منهم من يترك بصماته في مجتمعه فيذكره شعبه بالثناء والدعاء له بالرحمة وتتجاوز شهرته وأعماله وبطولاته وآراؤه البناءة حدود مملكته.. وإني لا أبالغ إذا قلت إن الملك عبدالعزيز يعتبر من أعظم رجالات القرن التاسع عشر وذلك ليس في الجزيرة العربية والخليج العربي أو الوطن العربي فقط وإنما على مستوى العالم فدخل التاريخ من أوسع أبوابه. والحالة هذه، لا بد لي أن أقول: لا عجب إذا قارنا الملك عبدالعزيز بزعماء مثل جورج واشنطن الذي أصبح رئيساً للولايات المتحدة بين عامي 1789 - 1797م بعد مقاومة الإنجليز وطردهم، أو شارل ديجول الذي قاد مقاومة بلاده في الحرب العالمية الثانية وأصبح أول رئيس للجمهورية الفرنسية الخامسة عام 1944م، أولئك الرجال الذين صنعوا الوحدة لبلادهم وأرسوا أسس النهضة لها علماً أن الملك كان صنواً لهؤلاء إلا أنه لم يأخذ حقه كمؤسس للمملكة العربية السعودية وكواضع لمنهج عظيم في القيادة السعودية. نبذة عن حياة الملك المؤسس وُلد عبدالعزيز بالرياض سنة 1297ه - 1880م، تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم على يد الشيخ عبد الله الخرجي ثم تلقى دروساً في التوحيد وأصول الفقه على يد الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وبعد أن نهل من علوم الشرع ما قوّى به عقيدته وتوسعت مداركه، أتقن فن الفروسية وقد اتصف بحدة الطبع في شبابه.. درب عبدالعزيز نفسه خصوصاً في الفترة التي أقامها مع والده في البادية بين قبائل بني مرّة حيث بدأ يعوِّد نفسه على الظمأ والجوع والخشونة في الحياة.. وبعد حياة البادية هذه انتقلت الأسرة إلى الكويت سنة 1308ه - 1890م حيث قضى عبدالعزيز فيها ما يقارب العشر سنوات كانت كافية ليتعلم فيها تقلبات الزمن ويطلع على فنون السياسة العملية خصوصاً أنه عاش تلك الفترة في ضيافة داهية الكويت الشيخ مبارك الصباح الذي قرَّب عبدالعزيز إليه وأنِس فيه صفات اللباقة والكياسة ففسح له في مجلسه ليرى ويسمع ويشاهد ما يدور في الكواليس السياسية خصوصاً مع توسُّع علاقات الشيخ مبارك مع ممثلي الحكومات الإنجليزية والروسية والألمانية والتركية. لقد أحببت أن استشهد بكتاب أمين الريحاني (ملوك العرب) لأنه لبناني مسيحي قابل جميع الملوك في عصره، علماً أنني أكنُّ التقدير والاحترام لجميع الكُتَّاب السعوديين الذين كتبوا عن عبدالعزيز لأنهم جميعاً عظماء ويحبونه بالقلب والفطرة وبالتالي أردت أن تأتي الشهادة من رجلٍ حيادي ومجرد وهو أمين الريحاني.لقد كتب الكثير عن الملك عبدالعزيز.. لكن خير من أنصفه وكتب عنه بتجرُّد وموضوعية وواقعية دون زيادة ونقصان هو أمين الريحاني وقد نقل ما قيل عنه في الحديدة وفي عدن وفي دار الوكالة البريطانية ببغداد حيث يقول:ابن سعود، رجل كبير، هو نابغة بلاده، هو السياسي المحنك والقائد الباسل والحاكم العادل، هو أكبر أمراء العرب اليوم (في ذلك الوقت) وأقواهم، رجل عظيم، رجل نجد، هو ابن البادية التي ينبغ فيها من حين لآخر كبار الرجال فيظهرون فجأة ويسودون الناس بالعقل قبل أن يسودوهم بالسيف. يقول أمين الريحاني عن الملك عبدالعزيز عند لقائه الأول بأن الملك قد خفّ إليه وشاء تلطفاً أن يعكس الآية وإن أول ما يملك الإنسان منه ابتسامة هي مغنطيس القلوب. ويتابع أمين الريحاني فيقول: إن الملك حيّاه باسماً بالسلام عليكم وظل قابضاً على يده حتى دخلا الخيمة، ثم عرَّفه الملك بمن كان في معيته وهما الدكتور عبد الله الموصلِّي طبيبه الخاص وكاتب سره في الأمور الخارجية وعبد اللطيف باشا المنديل صديق الملك الحميم ووكيله في العراق وهو نجديُّ الأصل عراقي الإقامة. وبعد جلسة استمرت حتى منتصف الليل، قال الملك لأمين لا نريد أن نثقل عليك وفيك تعب يدعو إلى النوم، وبعد عودة أمين إلى خيمته كتب انطباعاته التي استنتجها في تلك الجلسة فقال: ها قد قابلت أمراء العرب كلهم، فما وجدت فيهم أكبر من هذا الرجل.. لست مجازفاً أو مبالغاً فيما أقول، فهو حقاً كبيرٌ: كبيرٌ في مصافحته، وفي ابتسامته، وفي كلامه، وفي نظراته، وفي ضربه الأرض بعصاه، يفصح في أول جلسة عن فكره ولا يخشى أحداً من الناس بل يفشي سره وما أشرف السر، سر رجل يعرف نفسه ويثق بعد الله بنفسه (حنا العرب).. إن الرجل فيه أكبر من السلطان، وقد ساد قومه ولا شك بالمكارم لا بالألقاب.ويتابع أمين الريحاني حديثه عن الملك عبدالعزيز في اليوم الثاني فيقول: الملك عبدالعزيز فصيح اللسان سريع الخاطر، لطيف الجواب وقد تحدث معه عن سياسة أوروبا في الشرق الأدنى وعن أمريكا وسياساتها مع الأحلاف. وقد ذكر الملك عبدالعزيز الرئيس الأمريكي ولسون وتنبأ لأمريكا بدور مستقبلي هام.. وأما بالنسبة لأوروبا فقد أفصح عن رأيه بكلمة بليغة إذ قال: أُشبِّه أوروبا اليوم بباب حديد كبير.. لكن لا شيء داخل الباب. يعود أمين الريحاني للحديث عن شخص الملك عبدالعزيز فيقول: إن في الرجل ضميراً حياً كحلمه وسرعة خاطره وإن التّيقظ في ذهنه يبدد بكلمة غيوم الانقباض في مجلسه ويجلو أفقاً قد يكون الاضطراب فيه من كلامه وهو خفيف الروح حلو النكتة لطيف التهكُّم. ومهما قيل في ابن سعود فهو رجل قبل كل شيء، رجل كبير القلب والنفس والوجدان، عربي تجسَّمت فيه فضائل العرب، صافي الذهن والوجدان، خلو من الادعاء والتصلُّف، خلو من التظاهر الكاذب. وبعدئذ يتحدث الكاتب عن عدل ابن سعود، فيقول إنه يطبق: العدل أساس الملك، ومن العدل ما يعجب ومنه ما كان يرعب ويخيف، ويقول: عدل ابن سعود كلمة تسمعها في البحر والبر، وفي طريقك إلى نجد قبل أن تصلها.. كلمة يرددها الركبان في كل مكان يحكمه سلطان نجد، إن حكم ابن سعود لا يعرف في سبيل العدل كبيراً أو صغيراً أو غنياً. ويجدر التنويه بأن عظمة الملك عبدالعزيز تجسدت في أنه وحَّد المملكة العربية السعودية وأنه بذكاء وفطنة الأصالة المختزنة بجذوره الطيبة، عرف وتنبأ ببعض الأمور العالمية، الأمر الذي يدل على نبوغه السياسي فقد ارتأى أن بريطانيا زائلة كدولة عظمى، وتنبأ بظهور أمريكا كدولة عظمى، ويمكن القول إنه كان داهية سياسية دون أن يتخرج من هارفارد أو كمبردج أو أكسفورد وقد عُرف أنه يسمع أكثر مما يتكلم ويبطن أكثر ما يظهر، ويمكن تسميته بحق (داهية العرب بلا منازع). كان بيت الملك عبدالعزيز بالمربع ويعرفه أغلب السعوديين، يجلس بكل تواضع ويستقبل جميع مواطنيه، وقد استطاع أن يوحِّد القلوب قبل الحدود، ولم يغفل دور المستشارين فكان لديه مجموعة من عباقرة عصره يستشيرهم، لكنه كان يرجع إلى قراره الخاص بعد استماع الاستشارة مطبقاً بذلك الحديث الشريف (استفت قلبك ولو أفتوك الناس)، وقد اجتمع مع العديد من زعماء العالم وعلى رأسهم اجتماعه العظيم مع إيزنهاور وتشرشل. من أقواله: (تعلمون أن أفضل الأعمال كلمة حق تُقال، وأن أفضل الأعمال معرفة الحق واستعماله، والمجالس يجب أن تكون للنصيحة والإرشاد، إن رأينا واعتقادنا وآمالنا في السير إلى السلف الصالح، فما كان موافقاً للدين في أمور الدنيا سرنا عليه، وما كان مخالفاً نبذناه).. وكان يطلب من المواطنين: أولاً: إقامة الصلاة في أوقاتها ولا يجوز التخلُّف عنها قط. ثانياً: اجتناب جميع المحرمات والابتعاد عن مجالسة الأشخاص الأشرار ومخالطتهم وعدم الجلوس في مجالس السوء والريبة. ولا عجب أن أولاد الملك عبدالعزيز ومن خلفهم منهم: الملك سعود والملك فيصل والملك خالد والملك فهد - رحمة الله عليهم أجمعين -، قد أدوا أفضل ما يكون من دورهم في العالمين والله يحفظ أولاده جميعاً وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - أطال الله عمره - وولي عهده الأمين سلطان بن عبدالعزيز - حفظهما الله -.