هناك تحديات تواجه الأمة الإسلامية تحتم نجاح القمة الإسلامية الاستثنائية الثالثة لقادة الدول الإسلامية. ولا شك أن المملكة العربية السعودية هي نبض الأمة الإسلامية؛ لما لها من مكانة عالية وكبيرة على المستويين العالمي والإقليمي بفضل الله ثم السياسة الحكيمة التي تنتهجها المملكة منذ عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيّب الله ثراه حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - حفظه الله - الذي لا يتوانى لحظة واحدة في الوقوف بجانب القضايا الإسلامية والعربية في المحافل الدولية. وإن هذا المؤتمر الذي يُعقد في مكةالمكرمة والذي دعا إليه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله خطوة كبيرة نحو بحث قضايا الأمة الإسلامية والعربية والعمل على القضاء على الفئة الضالة التي تتمسح بالدين الإسلامي وهو براء منهم إلى يوم الدين، وتوضيح الصورة الصحيحة للدين الإسلامي السمح الذي ينبذ العنف بكل أشكاله وألوانه على المستويات كافة أمام بعض دول العالم التي تتهم المسلمين بالعنف والشدة والقسوة والإرهاب. وللمملكة العربية السعودية إسهامات جليلة للدول الإسلامية خاصة الأقليات المسلمة في جميع دول العالم، كما أن لديها السبق في مبادرات بإنشاء المراكز الإسلامية وتقديم المساعدات العينية والمالية وتقديم العون لأي دولة إسلامية أو عربية وعالمية تتعرض للكوارث، وان هذه القمة الإسلامية دون شك أول قمة تعيش أجواءها قبل انعقادها لخطورة الظروف الراهنة ومأساوية الأوضاع الإسلامية، ثم الاحتياج الملح إلى حلول جذرية من داخل العالم الإسلامي. والمملكة العربية السعودية تستضيف هذه الدورة في ظل ظروف دقيقة تعيشها الأمة الإسلامية نتيجة للأزمات التي تواجهها وأسفرت للأسف الشديد عن حالة إحباط تعيشها الأمة الإسلامية نتيجة لتفشي الظلم والفقر واستشراء الأوبئة، والأمراض الاجتماعية، وانتشار المفاهيم الخاطئة، وانحراف الفكر، ووجود العنف والتطرف، والتي حالت دون تعامل الأمة بإيجابية مع هذه الأزمات، ووضعها في حالة دفاع دائم عن النفس. والمملكة العربية السعودية رائدة في أن تجعل من هذه القمة مصدرا قويا لإعادة روح الثقة بالنفس للأمة الإسلامية وإعادة بناء البيت الإسلامي بما يحفظ مصالح الأمة، ويمكنها من مواجهة المخاطر التي تهددها، ويدعم دورها في بناء الوطن والإنسان المسلم في ظل المبادئ الإسلامية الحقة المفعمة بالمحبة والعدل والمساواة والتعايش السلمي بين البشر، كمُثل عليا، وقيم سامية ومعان نبيلة انتشرت خلالها الحضارة الإسلامية لتشكل مصدراً للتنوير والعلم والمعرفة والأخلاق الحميدة كأحد الروافد المهمة للحضارة الإسلامية على مر العصور. نحن في المملكة العربية السعودية نعيش أجواء هذه القمة متطلعين إلى مخارج منطقية وقادرة من وهاء الأعذار التي آلت إليها أوضاع المجتمعات الإسلامية حتى أصبحت عاجزة لا تدري إلى أين تبادر.. هل تباشر معالجة أوضاع تخلفها العلمي والحضاري، أم تواجه هيئات ومؤسسات ومنظمات مختلف التسميات الإسلامية.. ما هو معلن منها وما هو تحت سطح الحياة الاجتماعية، وبعض منها يمارس جرأة تعد شرسة ضد مهماتها الحضارية، بل إن من هؤلاء من كَفّر معظم متغيرات العصر ذات الطابع العلمي مما ليس له علاقة بالعقيدة أو الممارسات الشخصية. إن مكان انعقاد المؤتمر لا بد أن يعيد لنا بدء الرسالة الإسلامية التي كانت نوراً وهداية للعالم في مدة كان العالم في ظلام حالك من الفقر والجهل والظلم، فأتت الرسالة لتضفي النور وتعرف الناس بعضهم ببعض.. نعم إن هذه القمة تأتي في وقت أحوج ما تكون فيه إلى جمع كلمة أمة الإسلام التي تمثل عقلاً لا يستهان به أبداً حال اجتماعها. ودول العالم الإسلامي السبعة والخمسون المنضوية تحت منظمة المؤتمر الإسلامي تمتد في أربع قارات من ألبانيا في الشمال (أوروبا) وموزمبيق في الجنوب (إفريقيا) وجيانا في الغرب (أمريكا اللاتينية) وإندونيسيا في الشرق (آسيا)، وتمثل الدول الإسلامية (16.7%) من مساحة العالم، وسكانها يمثلون 20% من سكانه بأكثر من مليار نسمة، هذا غير الأقليات الإسلامية الكبيرة حيث في الهند (150) مليون مسلم، وفي الصين (100) مليون مسلم، وتعتمد اقتصاديات الدول الإسلامية على عنصرين أساسيين: النفط والزراعة، إضافة إلى المواقع المتميزة التي تحتلها على الخريطة العالمية، وبهذا الثقل العالمي للدول الإسلامية نجد أن هذه القمة سوف تركز على إعادة هيكلة هذه المنطقة، كما أنها ستقف أمام مهمة التأسيس لشراكة اقتصادية تسهم في تنفيذ برامج تنموية طموحة قوامها تشابك المصالح بين الشعوب الإسلامية وصولاً إلى إيجاد قوة اقتصادية إسلامية تحمي مقدرات الأمة ومصالحها. وشعوب الدول الإسلامية قاطبة تتطلع إلى قمة مكةالمكرمة يحدوها الأمل الكبير في أن يوفق الله قادة هذه الأمة إلى ما فيه خير الأمة والخروج بقرارات تسهم في تغيير واقعها وتقوي مسيرة المشاركة الشورية وتسهم في بناء نظم أكثر ديمقراطية استلهاماً لروح ديننا العظيم. إنَّ الأمة بحاجة إلى تقويم أمورها والنهوض بها، فالتحديات التي تنتصب أمام الأمة تتطلب توافر الإرادة السياسية لتحقيق نهضتها عبر تطوير آليات العمل الإسلامي المشترك وبناء شراكة اقتصادية وعلمية وثقافية والعمل على إزالة عوامل الفرقة والخلاف بين الدول الإسلامية بكل أشكالها السياسية والمذهبية.. ولا نجد مبرراً للفرقة الإسلامية سوى اختلاف المصالح رغم أن مصالحنا كدول إسلامية مشتركة، وإنْ فرقتنا اللغات فقد جمعنا الإسلام كدين لا يفرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى.. فديننا دين المساواة والعدل والرحمة والتكافل والتضامن. إن هناك عقبات تعترض مسيرة الوحدة والتكامل السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ولكننا أيضاً نملك من القدرات ما يجعلنا مؤهلين لتجاوز تلك العقبات حال كانت النوايا صادقة والتصميم موجوداً والعزيمة غير متراجعة، فنستطيع أن نعيد بناء البيت الإسلامي على أسس أقوى مما هي عليه الآن. وقمة مكةالمكرمة هي الخطوة الأولى، وهي مصدر لبناء عهد زاهر للأمة الإسلامية. وأُذكّر هنا بأن البيت الإسلامي حال قيامه على أسس متينة سيكون بإذن الله منارة خير ليس للعالم الإسلامي فحسب بل للبشرية كلها. إن هذه القمة تنفرد بأسلوب جديد في التعامل مع قضايا الأمة الإسلامية. يقول الأمير سعود الفيصل حفظه الله: إن الجهة التي أعدت المواضيع التي ستتطرق لها القمة والتوصيات التي ستنظرها نخبة مباركة من العلماء والفقهاء الذين يمثلون ضمير الأمة، قامت مشكورة بوضع تقرير متكامل عن التحديات التي تواجهها الأمة الإسلامية، يحمل رؤية مستقبلية حول التعامل معها على كافة المحاور السياسية والتنموية والاجتماعية والثقافية والعلمية، وتم تحويل ذلك التقرير إلى خطة عشرية لإعادة بناء البيت الإسلامي وتعزيز التضامن لتمكين الأمة الإسلامية من القيام بالدور الريادي الذي يليق بها وبالرسالة التي تحملها. إذ نستشعر من حكم انعقاد هذا المؤتمر أنه لا بد أن يعيد لنا بدء الرسالة الإسلامية التي كانت نوراً وهداية للعالم في مدة كان العالم في ظلام حالك من الفقر والجهل والظلم، فأتت الرسالة لتضفي النور وتعرف الناس بعضهم ببعض، وعمت الأخلاق التي تحلى بها المجتمع الإسلامي من عدل وإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه، فهي مهبط الوحي ومنبع الرسالة.. ورسالة هذا المؤتمر أن يقوم بدفعة جديدة للأمة الإسلامية ورسالة الإسلام فتقوم بدورها في الحضارة الإنسانية الجديدة لتعالج هذه القضايا بالتكافل والتعاضد ونشر الخير والتسامح والإنصاف وتبدأ بالعمل الجاد لما فيه خير أمة الإسلام وبما ينفع شعوب الأمة الإسلامية لا سيما أن هذه الأمة خير أمة أُخرجت للناس، فهي مثال في أخلاقها ومفاهيمها الخيّرة ونشر العدل للمسلم وغير المسلم تفضي إلى التسامح واللين. وأخيراً نشكر الله أن جعل هذا البلد آمناً مطمئناً يناصر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، يسعى جاهداً إلى مناصرة قضايا الأمة العربية والإسلامية ولم شملهم، منادياً دائماً مع الآخر بما يكفل السلم والعدل الدوليين، وهذا ما ينادي به قياديو هذا البلد بتوجيهات سديدة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين.